اليمن بين باب المندب وهرمز: تفاوض أو حرب إقليمية؟

أيلول 26, 2026 د. مسعدة ناصر 23 قراءة 1 دقائق قراءة

يقع الرهان اليوم على من يطفئ لهيب المنطقة ويثبت السلام، أو من يكون الشرارة في اشتعال المنطقة في حروب ضروس، وذلك في ظل تشابك وتعقيدات الملفات المحيطة في الإقليم والخليج الفارسي. فهل نحن متجهون نحو مراحل تفاوضية، أو نحو تصعيدات عسكرية؟

عودة النزاع اليمني إلى الساحة الإقليمية تعني تداخلًا بين عدة ملفات وعدة أطراف تترابط العلاقات فيما بينها، ولا يمكن فصل مسار أي ملف عن الآخر في تداعياته على الإقليم. فالصراع قد لا يبقى محصورًا داخل الإطار اليمني–اليمني أو اليمني–السعودي، إنما قد يتخطاه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وهو ما تظهره التحركات السياسية والعسكرية الحالية حيال الملف.

فمن هم اللاعبون الحقيقيون؟ وإذا أردنا البدء بالأطراف المؤثرة في النزاع، فما المصالح التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها؟

أولًا: السعودية
تريد السعودية حماية أراضيها ومنشآتها النفطية، والحفاظ على طرق الإمدادات والتصدير النفطية البديلة عن مضيق هرمز، ومنع تحوّل اليمن إلى منصة تهديد دائمة لها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع تعرض منشآت ينبع، الواقعة على البحر الأحمر والمرتبطة بشبكة نقل النفط السعودية، لهجمات أنصار الله، ما يجعل أمن الساحل الغربي للمملكة جزءًا مباشرًا من أمنها الاقتصادي والطاقة.

ثانيًا: أنصار الله
يسيطر أنصار الله على مناطق واسعة من اليمن، ووسّعوا وجودهم على ساحل البحر الأحمر ومناطق قريبة من باب المندب، الأمر الذي منحهم ورقة ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.

فامتلاك القدرة على التأثير في الملاحة البحرية يجعل موقعهم مختلفًا عن مجرد طرف في حرب داخلية، لأن أي تهديد للممرات البحرية ينعكس على التجارة والطاقة وحركة السفن دوليًا. ومن هنا تصبح السيطرة على الساحل والمواقع القريبة من باب المندب جزءًا من معادلة القوة والتفاوض في آن واحد.

ثالثًا: إيران
إيران حليف لأنصار الله، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن كل قرار لأنصار الله هو قرار إيراني مباشر.
وهنا يجب التفريق بين الدعم والتحالف من جهة، وبين تطابق القرار السياسي والعسكري من جهة أخرى. فقيادة أنصار الله لديها حساباتها ومصالحها الخاصة داخل اليمن، حتى مع وجود علاقة استراتيجية بإيران. كما أن طهران تبدو حريصة على إبقاء مساحة تفصلها عن بعض القرارات الميدانية لأنصار الله، بما يسمح لها بالحفاظ على أوراقها الإقليمية دون أن تتحمل بالضرورة كامل تبعات التصعيد.

رابعًا: تركيا وباكستان
دخلت السعودية وتركيا وباكستان في اتفاق دفاع مشترك، ينص على أن الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

لكن هذا لا يعني أن الاتفاق يقود تلقائيًا إلى تدخل عسكري مباشر في اليمن. وحتى الآن، لا تزال طبيعة الدعم الذي قد تقدمه تركيا وباكستان موضع بحث، مع إعلان تركيا استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية سعودية، فيما تحدثت باكستان عن إمكانية تفعيل الاتفاق في حال استمرار الهجمات على السعودية.

وبالتالي، فإن الاتفاق في هذه المرحلة يمثل بالدرجة الأولى أداة ردع جماعي وإعادة ترتيب للمعادلات الأمنية، فيما يبقى مستوى التدخل العسكري الفعلي مرتبطًا بتطورات الميدان والقرارات السياسية للدول الثلاث.

خامسًا: الولايات المتحدة
تبدو الولايات المتحدة حذرة في مقاربة الملف، وخصوصًا فيما يتعلق بالانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: واشنطن معنية بأمن الملاحة والطاقة وبأمن حلفائها، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في تحويل الملف اليمني إلى مواجهة عسكرية أمريكية مباشرة جديدة. وهذا يمنح الأطراف الإقليمية مساحة أكبر لإعادة حساباتها الأمنية وبناء ترتيبات دفاعية جديدة.

سادسًا: فرنسا
أما فرنسا، فقد انتقلت من الموقف السياسي إلى تعزيز الحضور الدفاعي في البحر الأحمر، إذ أعلنت عن إرسال قوات ورادارات وأنظمة دفاع لحماية منشأة ينبع النفطية، مع تأكيد أن المهمة دفاعية وليست مشاركة في الحرب. كما أن فرنسا لديها وجود بحري في نطاق جنوب اليمن وباب المندب والبحر الأحمر ضمن جهود حماية الملاحة.

وهنا تفرض علينا هذه الأطراف المتعددة سؤالًا أساسيًا:
أين تكمن العقدة حتى تتعدد الأطراف وتتدخل في تحريك هذا الملف؟
الإجابة تبدأ من الجغرافيا: هناك مضيقان يجب أن نضعهما على الخريطة: مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
الأول يمثل شريانًا أساسيًا لخروج الطاقة من الخليج الفارسي، والثاني يمثل بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي تؤثر حركة الملاحة فيه على التجارة والطاقة عالميًا.

وهنا يصبح اليمن جزءًا من صراع أوسع على الممرات الاستراتيجية، وليس مجرد بلد تقع فيه حرب أهلية أو فيه نزاع يمني-سعودي. فما يجعل كل طرف في موقع قوة ليس فقط ما يمتلكه من سلاح، وإنما أوراق الضغط التي يستطيع استخدامها.

السعودية تمتلك موقعًا جغرافيًا واقتصاديًا وطاقة هائلة، لكنها تحتاج إلى حماية طرق تصديرها.
أنصار الله يمتلكون موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية وقدرة على تهديد الملاحة والمنشآت السعودية.
إيران تمتلك شبكة علاقات ونفوذًا إقليميًا يمكن أن يمنحها أوراق ضغط متعددة.
تركيا وباكستان تمتلكان قدرة على تشكيل مظلة ردع جديدة حول السعودية.
والقوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، معنية بأمن الملاحة والطاقة ومنع انهيار الاستقرار الإقليمي.

وبذلك، فإن الممرات الاستراتيجية أصبحت جزءًا من معادلة الصراع نفسها. أما استدعاء السعودية لتركيا وباكستان ضمن إطار اتفاق الدفاع المشترك، فيمكن قراءته بوصفه محاولة لبناء ردع جماعي وتوسيع شبكة الضمانات الأمنية حول المملكة، وليس بالضرورة إعلانًا عن دخول الدولتين في حرب مباشرة.

لكن كلما توسعت دائرة الضمانات الدفاعية، ازدادت في المقابل حساسية أي هجوم جديد؛ لأن الخطأ في حسابات الردع قد ينقل المواجهة من مستوى ثنائي إلى مستوى متعدد الأطراف.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية: هل تستخدم الأطراف أوراق القوة التي تمتلكها للوصول إلى طاولة التفاوض، أم تتحول هذه الأوراق نفسها إلى أدوات لتوسيع الحرب؟

فإذا بقيت الضربات والردود ضمن حدود الردع، فقد تشكل ورقة ضغط تقود في النهاية إلى تفاوض جديد.
أما إذا انتقلت الأطراف إلى خطوات عسكرية مباشرة، أو دخلت تركيا وباكستان أو قوى دولية أخرى في مواجهة عسكرية فعلية، فقد يتحول اليمن من ساحة نزاع إقليمي غير مباشر إلى ساحة مواجهة إقليمية متعددة الأطراف.

وعندها لن يعود السؤال: من يربح الحرب في اليمن، بل سيصبح السؤال الأوسع: من يملك القدرة على التحكم بالممرات الاستراتيجية؟ ومن يملك القدرة على تحويل هذه السيطرة إلى نفوذ سياسي على طاولة التفاوض؟

وهنا تحديدًا ستتحدد وجهة المنطقة: هل تكون الممرات الاستراتيجية طريقًا إلى التفاوض، أو تصبح بوابةً لحرب إقليمية أوسع؟