يا سيدنا… ما زالت الراية مرفوعة

أيلول 24, 2026 داني محمد الأمين 54 قراءة 1 دقائق قراءة

في ذكرى عروجك يا سيد شهداء الأمة، يضيق الكون ويثقل الزمان، كأن الأرض فقدت شيئًا من توازنها برحيل رجلٍ كان حضوره يملأها، وكأن السماء احتضنت سرًا عزيزًا لتعيده إلى حيث يليق بالشهداء والأولياء.

كيف نكتب عنك يا سيد، وأنت الذي كنت تختصر بكلمةٍ ما تعجز عنه صفحات، وتزرع الأمل في قلوب الملايين بابتسامة، وتحوّل الخوف إلى ثبات، والانكسار إلى قدرة على النهوض؟

أيها الغائب الحاضر، أيها الساكن في البيوت والقلوب والذاكرة… نفتقدك كما يُفتقد الأب حين يغيب عن عائلته، وكما يُفتقد القمر حين يطول الليل. نفتقد صوتك الذي كان يعيدنا إلى أنفسنا، وطلّتك التي كانت تختصر معنى الطمأنينة، ونفتقد تلك اللحظة التي كان يكفي أن تظهر فيها على الشاشة حتى يشعر الملايين أن هناك من يعرف الطريق، حتى في أشد العواصف.

كنت رجل الدين الذي لم تحصره المنابر ولا الكتب، بل جعلت من الدين حياة، ومن الإيمان قوة، ومن الدعاء سلاحًا. وكنت في أخلاقك صفحةً من نقاء، تحمل التواضع من دون أن ينقص ذلك شيئًا من هيبتك، وتحمل الصدق الذي فتح لك أبواب القلوب قبل أن يفتح لك أبواب السياسة والميدان.

وكنت في السياسة رجلًا يعرف متى يصبر، ومتى يتكلم، ومتى يجعل من الصمت موقفًا، ومتى يحوّل الكلمة إلى معادلة. كنت تعرف أن السياسة ليست كثرة الكلام، بل معرفة اللحظة، وقراءة الخصم، وحماية الأصدقاء، وحفظ الأمانة.

أما في المقاومة، فكنت أنت المقاومة.
كنت قائدًا حمل قضيةً أكبر من شخصه، وآمن بأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح ممكنًا حين يلتقي الإيمان بالإرادة، وحين يتحول الحق في وجدان أصحابه إلى فعلٍ لا يتراجع. لم تكن المقاومة بالنسبة إليك شعارًا يُرفع، بل طريقًا طويلًا من التضحيات، والدماء، والصبر، والثبات.

ثم رحلت…
رحلت جسدًا، وتركت وراءك فراغًا لا يشبه أي فراغ. وفي الأيام التي تلت غيابك، تكشّف الكثير. تكالب علينا بعض من كانوا يتحدثون عن الصداقة حين كانت الأيام رخاءً، وانكشف عند الشدائد من كان صديقًا بالفعل ومن كان يقتات من لحظة القوة. وفي المقابل، ازداد أعداؤنا شراسة، وكأن غيابك ظنًّا منهم أن الراية ستسقط برحيل حاملها.

لكنهم لم يعرفوك بما يكفي.
لم يعرفوا أنك لم تترك خلفك فراغًا، بل تركت رجالًا. ولم تترك سلاحًا فقط، بل تركت عقيدةً وإيمانًا وثقافةً في المقاومة، وربّيت أجيالًا على أن الأمانة لا تنتهي باستشهاد صاحبها، وأن الراية التي تُرفع بالدم لا تُنزل بالخوف.
وبفضل الله أولًا، ثم بفضل ما زرعت وما ربّيت وما أسست، ما زال بيننا من يقف في وجه العاصفة، ومن يحمل الأمانة، ومن يدافع عن أهلنا وأرضنا، ومن يرى في دمك ودماء الشهداء عهدًا لا يسقط بالتقادم.
لقد حاولوا أن يجعلوا من استشهادك نهاية مرحلة، فإذا به يتحول إلى بداية امتحان جديد. حاولوا أن يقرأوا غيابك على أنه ضعف، فإذا بمن ربيتهم يثبتون أن القائد قد يغيب، لكن مدرسته تبقى، وأن الجسد يمكن أن يرحل، أما الفكرة التي تسكن في قلوب أصحابها فلا تُدفن.

سلامٌ عليك يا سيد، يوم حملت أمانة المقاومة، ويوم حملت هموم الناس، ويوم وقفت في أصعب اللحظات ثابتًا لا تتزحزح.
سلامٌ عليك يوم ارتقيت شهيدًا، والتحقت برفاق الدرب الذين سبقوك، وتركت لنا أمانة الدم والراية.
وسلامٌ عليك اليوم، ونحن نفتقدك أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول، لكننا نعرف في الوقت نفسه أن حضورك لم ينتهِ يوم غاب جسدك.
فأنت حاضر في ذاكرة من أحبك، وفي قلوب من آمنوا بطريقك، وفي دموع الأمهات، وفي وجع الشهداء، وفي عيون المقاومين الذين حملوا من بعدك الأمانة.

رحلت يا سيد، لكنك لم تأخذ معك ما زرعت.
تركت لنا من نورك ما يكفي أعمارًا وأعمارًا، وتركت خلفك رجالًا يعرفون أن الطريق لم ينتهِ، وأن الدم لا يُنسى، وأن الأمانة لا تُسلّم إلا لمن يصونها.
نم قرير العين يا سيد الشهداء…
فمن ربيتهم ما زالوا هنا.
والراية التي حملتها لم تسقط.