من كلام الحاج محمد رعد… هكذا يرى حزب الله المرحلة المقبلة

أيلول 23, 2026 د. أكرم شمص 34 قراءة 1 دقائق قراءة

تكشف مواقف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد عن رؤية سياسية متكاملة لحزب الله في المرحلة الراهنة، تتجاوز الجدل المباشر حول السلاح إلى سؤال أوسع: كيف تُستعاد السيادة اللبنانية؟ ومن أين يجب أن تبدأ الدولة في معالجة آثار الحرب والاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية؟

فالخلاف بين حزب الله والسلطة، كما يمكن استخلاصه من كلام الحاج محمد رعد، ليس خلافًا على السلاح وحده، بل على ترتيب الأولويات وتعريف السيادة نفسها.

2 آذار… خلاف على تعريف الحرب
تمثل أحداث 2 آذار/مارس نقطة أساسية لفهم موقف الحزب. فالحكومة اعتبرت أن قرار الحرب والسلم يعود حصرًا إلى الدولة، واتخذت موقفًا ضد النشاط العسكري لحزب الله. أما الحاج محمد رعد فطرح مقاربة مختلفة، تقوم على أن الدولة تعلن امتلاكها قرار الحرب والسلم، لكنها لا تستطيع فرض وقف الاعتداءات على إسرائيل نفسها.

ومن هنا يمكن استخلاص موقف حزب الله: الحرب، في نظره، لم تبدأ برد المقاومة، لأن الاعتداءات والاحتلال والخروقات الإسرائيلية كانت مستمرة أصلًا. وهكذا يصبح الخلاف أعمق من حادثة عسكرية: هل كان تحرك المقاومة بدءًا لحرب جديدة، أم ردًا ضمن مواجهة لم تكن قد انتهت؟

السلاح… تغيير نقطة البداية
من أبرز ما يظهر في كلام الحاج محمد رعد أن حزب الله لا يريد أن يبدأ أي حوار داخلي من سؤال: متى تسلم المقاومة سلاحها؟ بل يريد أن تسبق ذلك أسئلة أخرى: ماذا عن الاحتلال؟ من يوقف الاعتداءات؟ كيف تُحمى الحدود؟ وما قدرة الجيش على الدفاع عن لبنان؟ وما الاستراتيجية الدفاعية التي ستعتمدها الدولة؟

وهذا يتوافق مع موقف سابق أعلنه الحاج محمد رعد من قصر بعبدا، حين وضع في سلم الأولويات إنهاء الاحتلال، وإطلاق الأسرى، وعودة الأهالي، والإعمار، وتولي الدولة مسؤولية حماية السيادة، مع استعداد الحزب لمساندتها عند الاقتضاء.

إذًا، لا يطرح حزب الله السلاح، وفق هذه الرؤية، باعتباره ملفًا منفصلًا، وإنما جزءًا من منظومة دفاعية وطنية يفترض الاتفاق عليها. وهنا يقع جوهر الخلاف: هناك من يرى أن حصرية السلاح شرط لاستعادة السيادة، فيما يستخلص من كلام الحاج محمد رعد أن الحزب يرى أن استعادة السيادة ووقف الاعتداءات وبناء القدرة الدفاعية هي الإطار الذي ينبغي أن تعالج داخله قضية السلاح.

الدولة التي يريدها الحزب
لا يقدم الحاج محمد رعد حزب الله بوصفه بديلًا عن الدولة، بل يضع الدولة في قلب المعادلة، ولكن وفق مفهوم محدد لوظيفتها: دولة تطبق الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، وتحافظ على الوحدة الداخلية، وترفض الوصاية الخارجية، وتكون قادرة على حماية أرضها ومواطنيها.

ولهذا فإن العلاقة مع رئيس الجمهورية، وفق هذه الرؤية، يُفترض ألا تتحول إلى مواجهة بين الرئاسة والمقاومة، بل إلى حوار حول كيفية استعادة السيادة. وقد عبّر الحاج محمد رعد سابقًا عن حرص الحزب على «التفاهم والتعاون» مع رئيس الجمهورية، وربط ذلك بإنهاء الاحتلال والاستقرار والإعمار وحماية السيادة.

علي الطاهر… الغموض جزء من المعركة
وفي ملف علي الطاهر، يمكن استخلاص جانب آخر من رؤية الحزب: ليست كل المعارك العسكرية قابلة للكشف الإعلامي الكامل. فامتناع الحاج محمد رعد عن الدخول في تفاصيل المواجهة يعكس تمسك الحزب بالغموض العملياتي، انطلاقًا من أن كشف كيفية القتال والتحصين والصمود والاتصالات قد يمنح الخصم معلومات لا مصلحة للمقاومة في تقديمها. وهكذا يصبح الصمت نفسه جزءًا من إدارة المواجهة، وليس بالضرورة غيابًا للرواية.


وحدة الساحات لم تسقط
أما «وحدة الساحات»، فيقدمها كلام الحاج محمد رعد بمفهوم أكثر مرونة من الاعتقاد بأنها تعني تحرك جميع الجبهات في اللحظة نفسها. فالمفهوم، كما يمكن استخلاصه من كلامه، يقوم على وحدة تشخيص العدو وطبيعة الصراع، مع احتفاظ كل ساحة بحق تقدير ظروفها وإمكاناتها وتوقيت حركتها.

وبهذا المعنى، لا تصبح وحدة الساحات وحدة عمليات عسكرية بالضرورة، بل وحدة رؤية استراتيجية، أي إنها، وفق رؤية الحزب، ليست وحدة البنادق بقدر ما هي وحدة تشخيص الصراع.

إيران… دعم لا يلغي الهوية اللبنانية
وفي العلاقة مع إيران، يرفض حزب الله، كما يظهر من كلام الحاج محمد رعد، معادلة أن الدعم الإيراني يعني بالضرورة أن الحزب مجرد أداة إيرانية. فالحزب يقدم نفسه باعتباره مقاومة لبنانية ذات تحالف استراتيجي وإقليمي، ويرى أن العلاقة مع إيران لا تلغي هويته اللبنانية. وهذه النقطة تبقى موضع خلاف سياسي داخلي، إذ يقدم خصوم الحزب قراءة مختلفة لطبيعة العلاقة وتأثيرها في استقلالية قراره.

وفي الوقت نفسه، يؤكد الحاج محمد رعد استمرار التماسك مع حركة أمل والأخ الكبير الرئيس نبيه بري، بما يعني أن الحزب يريد الحفاظ على وحدة الموقف السياسي مع حليفه الأساسي في الداخل.

إعادة الإعمار… أكثر من مسألة مالية
ويكشف كلام الحاج محمد رعد أن إعادة إعمار الجنوب ليست بالنسبة إلى حزب الله قضية مالية فقط. فالإعمار يرتبط بعودة الناس، ومستقبل القرى الحدودية، ووقف الاعتداءات، ودور الدولة، ومستقبل الجنوب كله.
ومن هنا تصبح مسؤولية الدولة في إعادة الإعمار جزءًا من مفهومها للسيادة: فالدولة لا تستعيد حضورها في الجنوب بالقرارات السياسية والأمنية فقط، بل بإعادة الناس إلى أرضهم وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

السلاح والسيادة… العقدة الأساسية
في المحصلة، يمكن اختصار موقف حزب الله المستخلص من كلام الحاج محمد رعد بمعادلة واضحة:
إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات، تثبيت مسؤولية الدولة وقدرة الجيش، إعادة الإعمار وعودة الأهالي، ثم التفاهم على استراتيجية دفاعية تحدد ضمنها معالجة مستقبل سلاح المقاومة.

وبذلك يريد الحزب نقل النقاش من سؤال «متى يسلّم حزب الله سلاحه؟» إلى سؤال أكبر: كيف سيدافع لبنان عن نفسه بعد ذلك؟

هنا تكمن أهمية كلام الحاج محمد رعد. فهو لا يرسم موقفًا شخصيًا بقدر ما يكشف عن المنطق السياسي الذي يتحرك وفقه حزب الله في المرحلة المقبلة: لا رفض للدولة، بل مطالبة بدولة قادرة؛ لا إغلاق للحوار، بل رفض أن يبدأ الحوار من نتيجة مقررة سلفًا؛ ولا فصل بين السلاح والسيادة، لأن الحزب يرى أن السؤال عن السلاح لا يمكن أن يسبق السؤال عن الاحتلال والاعتداءات والقدرة على حماية لبنان.

وهكذا تصبح المسألة، في رؤية حزب الله، أكبر من مصير قطعة سلاح: إنها نقاش حول شكل الدولة القادرة على حماية لبنان، والاستراتيجية التي تمنع الاعتداء عليه، والموقع الذي ستشغله المقاومة داخل هذه المعادلة.