موسى الصدر… الغائب الذي ما زال يحاكم الدولة

آب 30, 2026 مصطفى عواضة 22 قراءة 1 دقائق قراءة

لم يكن أوّل من خذل الإمام موسى الصدر عدوًّا بعيدًا عن الدولة، ولا خصمًا يقف خارج حدودها، بل كانت الدولة نفسها، بما تمثّله من سلطة ومسؤولية، أوّل من أخفق في أن يكون على مستوى المشروع الذي حمله الرجل.
لم يكن الإمام موسى الصدر يطالب الدولة بامتيازٍ للجنوب، ولا بمنّةٍ على أهله. كان يطالبها بأبسط شروط الدولة: أن تحمي أرضها، وأن تصون كرامة مواطنيها، وأن تجعل المواطن شريكًا في وطنه لا متروكًا لمصيره حين تشتدّ الأزمات.

كان الجنوب في ذلك الزمن يعيش على هامش اهتمام السلطة؛ الاعتداءات تتكرّر، والفقر يتّسع، والحرمان يتحوّل من حالةٍ طارئة إلى واقعٍ دائم. وكان السؤال الذي يطرحه الإمام الصدر أعمق من سؤال الأمن وحده: ماذا يعني أن تكون مواطنًا في دولةٍ لا تستطيع حمايتك، ولا ترى في حرمانك أولوية؟

من هنا، لم يتعامل الإمام مع المقاومة باعتبارها غايةً قائمة بذاتها، بل باعتبارها استجابةً لفراغٍ تركته الدولة حين تخلّت عن إحدى أهم وظائفها: حماية الناس والأرض.

كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تضعف الدولة في لحظة، بل أن يتحوّل ضعفها إلى نظام، وأن يصبح تهميش منطقةٍ كاملة أمرًا طبيعيًا، وأن يُطلب من أهلها أن يتحمّلوا ما لا يُطلب من غيرهم.

لذلك كان مشروع الإمام موسى الصدر أوسع من الجنوب، وأعمق من مسألة المقاومة. كان مشروعًا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

لقد أراد دولةً لا يُقاس فيها المواطن بموقعه الطائفي أو الجغرافي أو بقدرته على الوصول إلى مراكز النفوذ، بل بكونه إنسانًا له حقّ كامل في الحماية والعدالة والكرامة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية مشروعه السياسي والاجتماعي. فقد أدرك مبكرًا أن الفقر ليس مجرد نقصٍ في المال، وأن الحرمان ليس مجرد مشكلةٍ إنمائية، وأن التهميش ليس خطأً إداريًا عابرًا. هذه كلّها، حين تستمرّ، تتحوّل إلى بنيةٍ سياسية تُنتج مواطنين أقلّ حظًا في وطنهم من غيرهم.

ولهذا كان خطابه مزعجًا لمنظومة السلطة. فهو لم يكن يطالب بتغيير الوجوه فحسب، بل كان يضع يده على أصل الخلل: دولةٌ يُفترض أن تكون فوق الانقسامات، فيما ممارستها تجعل بعض المناطق والطوائف والمواطنين أقرب إلى مركز القرار من غيرهم.

ثم جاء الغياب.

وهنا ظهر وجهٌ آخر من وجوه الخذلان.

فغياب الإمام موسى الصدر لم يكن غياب شخصٍ عادي. كان غياب رجلٍ أصبح جزءًا من الذاكرة السياسية والوطنية اللبنانية، واختفاؤه تحوّل إلى قضيةٍ تتجاوز حدود العائلة أو الطائفة أو التنظيم. كان سؤالًا موجّهًا إلى الدولة نفسها: ماذا تفعل دولةٌ حين يُختطف أحد أبرز رموزها؟ وكيف تتعامل مع قضيته؟ وهل تستطيع أن تجعل استعادة مواطنٍ مفقودٍ قضيةً لا تسقط بالتقادم؟

إنّ مأساة الإمام موسى الصدر لا تكمن فقط في أنّه غاب، بل في أنّ غيابه استمرّ طويلًا من دون أن تتحوّل القضية إلى فعلٍ تاريخي يوازي حجم الرجل والقضية.

ومن هنا يصبح غياب الإمام جزءًا من السؤال الذي طرحه حضوره.

فالرجل الذي أمضى حياته يطالب بقيام دولةٍ تحمي الإنسان، انتهى به الأمر إلى أن يصبح رمزًا لسؤالٍ عن قدرة هذه الدولة نفسها على حماية أبنائها، وعن قدرتها على الدفاع عن سيادتها، وعن قدرتها على تحويل الحقّ من شعارٍ إلى فعل.

بعد ستّين عامًا، لا تبدو أفكار الإمام موسى الصدر مجرّد خطابٍ ينتمي إلى مرحلةٍ تاريخية انتهت. فما زالت الأسئلة التي طرحها حاضرة: ماذا يعني الوطن إذا كان بعض أبنائه يشعرون بأنهم خارج أولوياته؟ ماذا تعني الدولة إذا كانت عاجزةً عن حماية أرضها، أو عن معالجة جذور الحرمان، أو عن إغلاق ملفاتها الوطنية الكبرى؟

لهذا، فإنّ استحضار الإمام موسى الصدر اليوم لا ينبغي أن يكون مجرّد استحضارٍ لرجلٍ من الماضي، بل استحضارًا لمعيارٍ يُقاس به الحاضر.

فالإمام لم يترك وراءه خطابًا فقط؛ ترك مرآة.

وفي هذه المرآة تظهر الدولة كما هي: مقدار ما تحمي، ومقدار ما تعدل، ومقدار ما تحفظ كرامة مواطنيها، ومقدار ما تتحمّل مسؤولية أخطائها.

ربما لهذا السبب لم ينتهِ مشروع الإمام بغيابه.

فالرجال قد يغيبون، لكن الأفكار التي تمسّ جوهر المجتمع لا تغيب بسهولة. وكلّما عادت الدولة إلى التخلّي عن مسؤولياتها، عاد سؤال الإمام موسى الصدر معها. وكلّما عاد الحرمان والتهميش والتمييز في توزيع الحقوق والاهتمام، عاد نهجه ليذكّر بأنّ الدولة ليست سلطةً فوق الناس، بل مسؤوليةٌ تجاههم.

لقد غاب الإمام موسى الصدر، لكن السؤال الذي حمله بقي حاضرًا:

كيف يمكن أن نطلب من الإنسان أن يؤمن بدولةٍ لا يشعر بأنها تؤمن به؟

وهذا، في جوهره، هو الإرث الأصعب الذي تركه الإمام موسى الصدر للسلطة وللوطن معًا: أن تكون الدولة دولةً فعلًا، لا اسمًا؛ وأن يكون المواطن مواطنًا كامل الحقوق، لا مجرّد رقمٍ في سجلاتها.

وبين حضور الإمام وغيابه، تبقى المفارقة الأكبر: الرجل الذي قضى حياته يطالب الدولة بأن تكون حاضرةً إلى جانب شعبها، تحوّل غيابه نفسه إلى شاهدٍ دائم على غيابها.