السيناريوهات الإقليمية المحتملة قبل الانتخابات النصفية الأميركية وانتخابات الكنيست الإسرائيلي

آب 12, 2026 أحمد ياسين 22 قراءة 1 دقائق قراءة

تدخل منطقة غرب آسيا مرحلة شديدة الحساسية خلال الشهرين القادمين، في ظل تزامن مسارين انتخابيين مؤثرين هما الانتخابات النصفية الأميركية وانتخابات الكنيست الإسرائيلي. ولا تبدو هذه المرحلة مجرد محطة زمنية عابرة، بل تمثل إطارًا ضاغطًا على قرارات دول المنطقة والفاعلين الدوليين المتأثرين، وخصوصًا الولايات المتحدة و”إسرائيل”، في إدارة التصعيد. فالعامل الانتخابي هنا لا ينفصل عن المسار العسكري، بل يتحول إلى محدد أساسي في ضبط وتيرة الحرب أو توسيعها.

تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحتاج، في هذه المرحلة، إلى تهدئة ظرفية للجبهات، تسمح له بالوصول إلى الانتخابات النصفية بأقل مستوى ممكن من التوتر الإقليمي. فالعودة إلى تصعيد واسع مع إيران قد تنعكس سلبًا على الداخل الأميركي، سواء من حيث الخسائر العسكرية والمالية، أو من حيث اضطراب أسعار الطاقة والأسواق. لذلك، تبدو مصلحة واشنطن الآنية قائمة على منع الانفجار الشامل، مع الحفاظ على أدوات الضغط القائمة، ولا سيما في مضيق هرمز، حيث تتبادل الولايات المتحدة وإيران إضافة إلى اليمن والسعودية عبر باب المندب والبحر الأحمر، منطق الحصار بالحصار وفرض القيود على الموانئ وحركة الطاقة.

غير أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، جزئيًا أو كليًا، يطرح مسارين متناقضين. الأول تراهن عليه الولايات المتحدة، ويتمثل في احتمال تكيّف الأسواق العالمية تدريجيًا مع واقع الإغلاق أو التعطيل، بما يؤدي مع الوقت إلى إفراغ ورقة المضيق من مضمونها الاقتصادي والاستراتيجي. فإذا استطاع السوق الدولي إيجاد بدائل أو آليات تعويض، فإن قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط ستتراجع نسبيًا. أما المسار الثاني، فتراهن عليه إيران، وهو أن الاقتصاد العالمي، وخصوصًا الاقتصاد الأوروبي، لن يكون قادرًا على تحمّل كلفة الإغلاق لفترة طويلة، ما سيدفع قوى دولية مؤثرة إلى الضغط من أجل تسوية نهائية تنهي الحرب أو تخفف من حدتها.

في هذا السياق، يبرز النقاش حول ما نشرته بعض وسائل الإعلام الأميركية بشأن نقص الذخائر والصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة أو حلفائها. ورغم أن هذا المعطى قد يكون صحيحًا جزئيًا، إلا أن الإعلان عنه في ذروة الحرب يثير تساؤلات منطقية. فمن غير المعتاد أن تعترف قوة عسكرية أمام خصومها بأنها غير قادرة على مواصلة التصعيد بسبب نقص في الذخائر. لذلك يمكن قراءة هذا الخطاب ضمن ثلاثة عوامل أساسية.

العامل الأول أن يكون الحديث عن نقص المخزون تعبيرًا عن ضغط داخلي صادر من المؤسسة العسكرية أو من بعض مراكز القرار العميقة في الولايات المتحدة، بهدف القول إن الحرب باتت مكلفة، وإن استمرارها بالوتيرة نفسها لم يعد ممكنًا من دون مخرج دبلوماسي. ووفق هذا الاحتمال، لا يكون التسريب مجرد معلومة عسكرية، بل أداة سياسية لإعادة توجيه المسار السياسي والعسكري.

أما العامل الثاني، فيتصل بتوجيه رسالة إلى الأوروبيين ودول الخليج. فالمضمون غير المعلن لهذه الرسالة هو أن استمرار الحرب ضد إيران، أو الذهاب نحو محاولة إسقاط النظام في إيران، يتطلب مساهمة مالية وعسكرية أوسع من الحلفاء. بمعنى آخر، تسعى واشنطن إلى توزيع كلفة الحرب على الشركاء، وعدم تحمل العبء منفردة.

أما العامل الثالث، فهو موجه إلى الداخل الأميركي، ومفاده أن الإدارة استخدمت معظم أدوات الضغط، بما فيها القوة العسكرية الواسعة، ولم يبقَ أمامها سوى خيارات أكثر خطورة، من بينها السلاح النووي التكتيكي أو التهديد به. ورغم أن هذا السيناريو مستبعد إلى حد كبير بسبب كلفته الكارثية، إلا أنه يبقى جزءًا من خطاب الردع الأقصى الذي قد يُستخدم للضغط النفسي والسياسي على إيران.

في المقابل، تبدو حسابات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مختلفة نسبيًا عن الحسابات الأميركية. فنتنياهو يحتاج إلى إبقاء الجبهات مفتوحة قبل انتخابات الكنيست، لأن نهاية الحرب قد تعني فتح باب المحاسبة الداخلية على نتائجها. لذلك يحرص على استمرار التوتر في غزة من خلال تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار أو التسوية، كما يرفض الانسحاب من لبنان رغم الضغوط الأميركية الشكلية، ويسعى إلى تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق لأطول فترة ممكنة.

لكن إبقاء الجبهات مفتوحة قد لا يكون كافيًا لضمان فوز نتنياهو أو إعادة تشكيل حكومته. فهو يحتاج، وفق هذه القراءة، إلى حدث عسكري كبير يستطيع تسويقه داخليًا بوصفه انتصارًا جديدًا. ومن هنا تبرز احتمالات التصعيد في إحدى الجبهات، وخصوصًا الجبهة اللبنانية، بوصفها الساحة الأكثر قابلية للاشتعال ضمن سقف أميركي مضبوط. وقد تلجأ “إسرائيل” أيضًا إلى تنفيذ ضربة ضد إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما أشارت إليه تصريحات عدد من الشخصيات الأميركية والإسرائيلية بهدف خلط الأوراق وإعادة إنتاج صورة القوة الإسرائيلية قبل الانتخابات.

مع ذلك، فإن هامش الحركة الإسرائيلي ليس مفتوحًا بالكامل. فالولايات المتحدة، رغم دعمها لـ”إسرائيل”، لا تبدو معنية بانفجار إقليمي شامل قبل انتخاباتها النصفية. وهذا يعني أن نتنياهو قد يسعى إلى التصعيد، لكن ضمن حدود لا تؤدي إلى حرب كبرى يصعب التحكم بها. ومن هنا يمكن الحديث عن تصعيد محسوب، لا عن انفجار شامل حتمي.

بناءً على ما سبق، يمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة في ثلاثة مسارات. الأول هو مسار التهدئة المؤقتة، حيث تعمل واشنطن على ضبط الجبهات ومنع توسع المواجهة إلى حين انتهاء الاستحقاق الانتخابي الأميركي. الثاني هو مسار التصعيد المحدود، وخصوصًا في لبنان أو غزة، بما يمنح نتنياهو فرصة سياسية من دون تجاوز الخطوط الأميركية. أما الثالث فهو مسار التصعيد المفاجئ مع إيران، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر خطورة، وقد يحدث نتيجة خطأ في الحسابات أو عملية إسرائيلية تهدف إلى إفشال أي تهدئة إقليمية.

في المحصلة، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بتداخل شديد بين العسكري والسياسي. فترامب يحتاج إلى خفض التوتر، بينما يحتاج نتنياهو إلى استمرار الحرب أو تحقيق إنجاز عسكري سريع. وبين هاتين الحاجتين المتعارضتين تتحرك إيران باعتبارها طرفًا قادرًا على توظيف مضيق هرمز والضغط الإقليمي لفرض شروط أفضل في أي تسوية قادمة. لذلك، فإن الشهرين المقبلين لن يكونا مجرد فترة انتظار، بل اختبارًا فعليًا لقدرة الأطراف على ضبط التصعيد أو تحويله إلى مواجهة أوسع.

أما ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية وانتخابات الكنيست، فقد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة وأكثر شمولًا، تتجاوز إدارة الجبهات الحالية إلى إعادة رسم أوسع لقواعد الاشتباك في غرب آسيا، سواء عبر تسوية كبرى أو عبر موجة جديدة من الصراع الإقليمي.