أزمة مضيق هرمز تعزز أهمية شرق المتوسط كممر بديل للطاقة

آب 12, 2026 الناشر 8 قراءة 1 دقائق قراءة

أظهرت دراسة بحثية صادرة عن مركز إيجيبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية أن أزمة مضيق هرمز خلال عام 2026 دفعت القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في مسارات إمدادات الطاقة، وعززت مكانة شرق البحر المتوسط بوصفه أحد البدائل الاستراتيجية القادرة على تنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها، وإن كانت المنطقة لا تستطيع في الوقت الراهن أن تحل محل المضيق بصورة كاملة.

وأشارت الدراسة، التي أعدها الباحثون أحمد حسام علواني الغبيسي ونشوى جابر وروان إيهاب محمد، بإشراف سعيد الزغبي، إلى أن الاعتماد العالمي على مضيق هرمز جعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه مؤثرا بصورة مباشرة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، خصوصا مع مرور كميات كبيرة من النفط والغاز عبره.

هرمز تحت ضغط الاضطرابات
بحسب الدراسة، كشفت أزمة هرمز هشاشة الاعتماد على نقطة اختناق بحرية واحدة، بعدما أدت اضطرابات الملاحة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة المخاوف بشأن استمرارية إمدادات النفط والغاز. وتذكر الدراسة أن حركة السفن عبر المضيق تراجعت بصورة حادة خلال الأزمة، إذ انخفض عدد السفن العابرة إلى 13 سفينة في 16 يوليو/تموز 2026، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميا قبل اندلاع الأزمة، قبل أن يتراجع العدد إلى ثلاث سفن فقط في 17 يوليو/تموز.

وأدى اضطراب الملاحة، وفقا للدراسة، إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، في وقت اتجهت فيه بعض الناقلات إلى تغيير مساراتها أو التوقف في خليج عُمان، بينما امتنعت ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عن العبور لفترات متتالية.

وتشير الدراسة إلى أن المضيق يمر عبره نحو 20% من سوائل النفط العالمية ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة أمن الطاقة الدولية.

شرق المتوسط يبرز كبديل
ترى الدراسة أن اضطراب هرمز عزز الاهتمام بشرق المتوسط، الذي يمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز ويتميز بموقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية، فضلا عن امتلاكه بنية تحتية للنقل وإسالة الغاز، ولا سيما في مصر.

وتبرز مصر في هذا السياق باعتبارها محورا رئيسيا لنقل وتداول الطاقة، بفضل قناة السويس وخط أنابيب سوميد ومحطتي إدكو ودمياط لإسالة الغاز. وتقدر الدراسة الطاقة الاستيعابية لقناة السويس وسوميد بنحو 9 ملايين برميل يوميا، وهي كمية لا تعوض التدفقات التي تمر عبر هرمز، لكنها تمثل بديلا مهما خلال الأزمات.

كما تشير الدراسة إلى أن التعاون المصري القبرصي في مجال الغاز، وربط حقول قبرص بالبنية التحتية المصرية، يمكن أن يعزز دور مصر كمركز إقليمي لتجارة الغاز الطبيعي، مع خطط لنقل الغاز إلى منشآت مصرية لمعالجته وإسالته ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.

اكتشافات الغاز تعيد تشكيل المنطقة
ترى الدراسة أن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط منذ عام 2009 نقلت المنطقة من مجرد ممر بحري للتجارة الدولية إلى أحد الأحواض الصاعدة لإنتاج الطاقة، وأصبحت المنطقة محل تنافس بين القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وتستند هذه الأهمية إلى حقول رئيسية، بينها تمار وليفياثان وأفروديت وظهر. وتقدر الدراسة احتياطيات حقل تمار بنحو 10 تريليونات قدم مكعبة، وليفياثان بنحو 22 تريليون قدم مكعبة، وأفروديت بنحو 4.5 تريليونات قدم مكعبة، فيما تقدر احتياطيات حقل ظهر بنحو 30 تريليون قدم مكعبة.

كما ساهم إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط في توفير إطار مؤسسي للتعاون بين عدد من دول المنطقة، بهدف تطوير سوق إقليمية للغاز واستغلال البنية التحتية ومشروعات النقل والإسالة.

تنافس إقليمي على مسارات الطاقة
لا تقتصر التحولات على مصر، إذ ترصد الدراسة مساعي إسرائيل وتركيا لتعزيز موقعهما في شبكة مسارات الطاقة البديلة.

وتشير إلى أن تقديرات إسرائيلية تنظر إلى أزمة هرمز باعتبارها فرصة لإعادة صياغة موقع إسرائيل في منظومة الطاقة، عبر تطوير خطوط أنابيب قائمة وربط الخليج بالبحر المتوسط. كما تطرح بعض التقديرات إمكانية توظيف خط إيلات–عسقلان لنقل النفط الخليجي إلى الأسواق الأوروبية.

وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توظيف موقعها الجغرافي لتطوير مسارات بديلة، إذ تكشف الدراسة عن مقترح لخط أنابيب للوقود العسكري يربط تركيا برومانيا عبر بلغاريا، بهدف تعزيز إمدادات الوقود وتقليل الاعتماد على النقل البحري.

كما ترصد الدراسة اهتمام روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند بشرق المتوسط، سواء بهدف تأمين مصادر الطاقة أو تنويع طرق التجارة والنقل وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.

عقبات أمام استبدال هرمز
رغم هذه التحولات، تؤكد الدراسة أن شرق المتوسط لا يستطيع أن يكون بديلا كاملا لمضيق هرمز في الوقت الراهن.

وتتمثل أبرز العقبات في محدودية شبكات الأنابيب والممرات البحرية، والحاجة إلى حماية المنشآت وخطوط النقل، إضافة إلى النزاعات البحرية والحدودية بين دول المنطقة، والتنافس التركي اليوناني، والخلافات حول المناطق الاقتصادية الخالصة، والنزاع البحري بين لبنان وإسرائيل.

وتحذر الدراسة من أن هذه النزاعات قد تؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل وتحد من قدرة المنطقة على بناء منظومة مستقرة وآمنة لنقل الطاقة.

أزمة هرمز تعيد ترتيب الأولويات
وترى الدراسة أن الأزمة فرضت ضغوطا اقتصادية وتضخمية على دول شرق المتوسط، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين، لكنها في الوقت نفسه خلقت فرصا لتعزيز موقع المنطقة في منظومة أمن الطاقة.

وتشير إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 27% وأسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 74%، في حين زادت أقساط التأمين على السفن بنحو 300% خلال الأزمة، وهو ما انعكس على تكاليف الشحن وأسعار السلع والمواد الخام.

وفي المقابل، استفادت البنية التحتية المصرية من تنامي الحاجة إلى مسارات بديلة، خصوصا خط سوميد، في حين تسارعت مشروعات ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية.

خلاصة الدراسة
تخلص الدراسة إلى أن أزمة مضيق هرمز لم تكن مجرد اضطراب مؤقت في حركة الملاحة، بل مثلت نقطة تحول في التفكير بشأن أمن الطاقة، وأظهرت مخاطر الاعتماد المفرط على ممر واحد.

وتعتبر أن الأزمة منحت شرق المتوسط فرصة لتعزيز مكانته كمركز إقليمي للطاقة، خصوصا مع امتلاكه موارد غازية وبنية تحتية وموقعا قريبا من الأسواق الأوروبية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه المنطقة لا تزال بحاجة إلى تطوير شبكات النقل وحل النزاعات الجيوسياسية والقانونية حتى تتمكن من لعب دور أكبر في منظومة أمن الطاقة العالمية.

وتوصي الدراسة بالتنويع البنيوي لمسارات الطاقة، وتطوير خطوط الأنابيب والنقل البري، وتعزيز البنية التحتية البديلة، إلى جانب التخطيط الاستباقي لمواجهة اضطرابات الممرات البحرية.