في تحليل نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، بقلم الكاتب يونتان ليس، بتاريخ 30 يوليو/تموز 2026، تناول الكاتب أبرز التحديات السياسية والقضائية التي تواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل الانتخابات المقبلة، معتبرًا أن ثلاثة ملفات رئيسية ما زالت تهدد مستقبله السياسي، رغم محاولاته المتواصلة لتخفيف آثارها أو التخلص منها.
ويرى الكاتب أن نتنياهو لم ينجح حتى الآن في إزالة أي من هذه “الألغام”، إذ لا تزال مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية قائمة، كما تستمر محاكمته في قضايا الفساد، فيما يبقى احتمال تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر قائمًا بعد الانتخابات، وهو ما قد يضعه أمام استحقاقات سياسية وقضائية جديدة إذا خسر منصبه.
ويشير التحليل إلى أن هذه الملفات الثلاثة تمثل أبرز مصادر القلق بالنسبة لنتنياهو، لأنها قد تفقده، في حال خروجه من السلطة، أهم أدوات التأثير التي يتمتع بها بوصفه رئيسًا للحكومة.
هاجس الاعتقال في الخارج
ويبدو أن مذكرة الاعتقال الدولية الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية تشكل مصدر قلق دائم لنتنياهو، خصوصًا فيما يتعلق بتحركاته الخارجية.
وخلال مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، سُئل نتنياهو عن السيناريو المحتمل إذا اضطرت طائرته للهبوط اضطراريًا في دولة تعترف باختصاص المحكمة وتلتزم بتنفيذ أوامرها. ولم ينف رئيس الحكومة الإسرائيلية انشغاله بهذا الاحتمال، ملمحًا، في حديث حمل طابعًا ساخرًا، إلى إمكانية تدخل قوات خاصة إذا استدعى الأمر ذلك.
كما حذر من أن قرارات المحكمة قد تطال مستقبلًا مسؤولين وجنودًا أمريكيين، مؤكدًا في الوقت ذاته عزمه المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال شهر أيلول/سبتمبر المقبل.
وتزامنت هذه التصريحات مع مواقف أثارت جدلًا داخل الولايات المتحدة، بعدما دعا رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، الحكومة الفيدرالية إلى تنفيذ مذكرة الاعتقال إذا زار نتنياهو المدينة، رغم إقراره بأنه لا يملك صلاحية اتخاذ مثل هذا الإجراء بنفسه. في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وأن نتنياهو لن يتعرض للاعتقال على الأراضي الأمريكية.
محاولات لإسقاط مذكرة لاهاي
وبحسب التقرير، بذلت إسرائيل والولايات المتحدة خلال الفترة الماضية جهودًا سياسية وقانونية لإلغاء مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
وشملت هذه الجهود ضغوطًا أمريكية على المحكمة، إلى جانب فرض عقوبات على عدد من قضاتها، بينما حاولت إسرائيل الدفع بمسارات قانونية تستند إلى مسألة الاختصاص القضائي للمحكمة، إلا أن هذه المساعي لم تحقق نتائج ملموسة.
ورغم عدم وضوح الخيارات المتاحة أمام نتنياهو قبل موعد الانتخابات، فإن التقديرات تشير إلى أنه قد يحاول تنفيذ تحرك سياسي أو قانوني في اللحظات الأخيرة، ربما بدعم من إدارة الرئيس ترامب.
وفي موازاة ذلك، تواصل الحكومة الإسرائيلية حملة سياسية وإعلامية تستهدف التشكيك في شرعية المحكمة وقراراتها، مستغلة التطورات الأخيرة المتعلقة بالمدعي العام للمحكمة كريم خان، لتصوير المؤسسة القضائية الدولية باعتبارها منحازة وتعمل بدوافع سياسية.
إلا أن تقديرات داخل إسرائيل تشير إلى أن هذه الحملة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تدفع قضاة المحكمة إلى التمسك أكثر بمذكرات الاعتقال لإثبات استقلالية قراراتهم.
لجنة تحقيق مؤجلة
الملف الثاني الذي يسعى نتنياهو إلى احتوائه يتعلق بمطالب تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر.
وخلال فترة الحرب، عارض رئيس الحكومة تشكيل لجنة تحقيق رسمية بصيغتها التقليدية، وطرح بدائل مختلفة اعتبرها منتقدوه محاولة للحد من المسؤولية السياسية التي قد تتحملها حكومته عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم.
كما يرى بعض الخبراء أن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة كان يمكن أن يعزز موقف إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، باعتباره دليلًا على وجود آليات داخلية للمساءلة، وهو ما قد يحد من تدخل المحكمة استنادًا إلى مبدأ التكامل.
لكن الكنيست لم ينجح حتى الآن في إقرار تشكيل اللجنة، ما يجعل هذا الملف مرشحًا للتأجيل إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.
الحماية الأمنية… الملف الوحيد الذي حُسم
في المقابل، نجح نتنياهو في حسم ملف آخر يتعلق بأمنه الشخصي وأفراد عائلته.
فقد أقرت اللجنة الوزارية المختصة استمرار توفير الحماية الأمنية لنتنياهو وزوجته سارة مدى الحياة، إضافة إلى توفير الحماية لنجليه لمدة خمس سنوات بعد انتهاء ولايته، بغض النظر عن مستوى التهديد الأمني الذي يواجهانه.
وجاء القرار استنادًا إلى توصية رئيس جهاز “الشاباك” دافيد زيني، رغم اعتراض جهات مهنية، فيما اعتبرت مصادر إسرائيلية أن هذه الخطوة تمنح نتنياهو ضمانات إضافية في حال خسر الانتخابات المقبلة، بينما لن يكون لها تأثير عملي إذا بقي في منصبه.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط السياسية والقضائية التي تحيط بنتنياهو قبل الاستحقاق الانتخابي، إذ تبدو ملفات المحكمة الجنائية الدولية، ومحاكمات الفساد، والتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، عناصر حاسمة قد تؤثر في مستقبله السياسي، سواء بقي في رئاسة الحكومة أو انتقل إلى مقاعد المعارضة.
وتخلص “هآرتس” إلى أن نتنياهو يدخل السباق الانتخابي وهو مثقل بثلاثة ملفات متشابكة، تتمثل في مذكرة الاعتقال الدولية، ومحاكمات الفساد، واحتمال تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، وهي قضايا قد تحدد مستقبله السياسي والقضائي خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا انتهت الانتخابات بخروجه من رئاسة الحكومة.