تتجه المنظومة المالية الفلسطينية إلى مواجهة واحدة من أخطر الأزمات منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، بعدما أعلنت أكبر بنكين إسرائيليين عزمهما وقف خدمات المراسلة المصرفية للبنوك الفلسطينية اعتبارًا من الأول من سبتمبر المقبل، في خطوة تهدد بعرقلة حركة التجارة والمدفوعات، وتزيد من المخاوف من انهيار اقتصادي واسع في الضفة الغربية.
ويأتي هذا التطور في ظل تحذيرات فلسطينية ودولية متزايدة من التداعيات الخطيرة للقرار، بينما تتهم السلطة الفلسطينية وزير المالية الإسرائيلي بيتسلئيل سموتريتش باستخدام النظام المالي أداةً للضغط السياسي، ضمن سياسة تستهدف إضعاف السلطة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
ونقل المراسل الاقتصادي لموقع “زمان إسرائيل”، جاكوب ماجيد، أن سلطة النقد الفلسطينية عقدت مؤتمرًا صحفيًا في رام الله، الخميس الماضي، تحت عنوان “نقطة الانهيار”، بحضور مسؤولين من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، محذرة من أن إنهاء خدمات المراسلة المصرفية قد يؤدي إلى شلل واسع في الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية، ويعطل عمليات الاستيراد والتصدير.
وأوضح التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، أن بنكي ديسكونت وهبوعليم أبلغا البنوك الفلسطينية بقرارهما إنهاء العلاقات المصرفية، بعد سنوات من التحذير من المخاطر القانونية المرتبطة باستمرار هذه الخدمات، في ظل غياب حل تشريعي دائم يوفر لهما الحماية القانونية.
ويعتمد القطاع المصرفي الفلسطيني على خدمات المراسلة التي يقدمها البنكان الإسرائيليان لتسوية المعاملات المالية بالشيكل، وربط الاقتصاد الفلسطيني بالنظام المالي العالمي، إذ إن البنوك الفلسطينية ليست جزءًا من نظام الدفع الإسرائيلي، ما يجعل استمرار هذه الخدمات ضرورة أساسية لاستمرار النشاط التجاري والمالي.
وبحسب التقرير، فإن الحكومات الإسرائيلية دأبت لسنوات على إصدار خطابات تعويض تمنح البنوك الإسرائيلية حصانة قانونية ضد أي ملاحقات محتملة تتعلق بغسل الأموال أو تمويل العمليات المسلحة، بالتزامن مع وعود بإنشاء هيئة حكومية تتولى هذه المهمة، إلا أن المشروع بقي معطلًا رغم تأسيس الهيئة عام 2019، بسبب عدم إقرار التشريعات اللازمة.
ومنذ تولي سموتريتش وزارة المالية نهاية عام 2022، تصاعدت الضغوط على البنوك، بعدما قلص مدة صلاحية خطابات التعويض من عام كامل إلى تمديدات قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، وهو ما خلق حالة متواصلة من عدم اليقين داخل النظام المصرفي، وأثار استياء المؤسسات المالية الإسرائيلية.
وأشار التقرير إلى أن سموتريتش وافق أخيرًا على توقيع خطاب تعويض يمتد حتى نهاية عام 2026، لكنه رفض إصدار تمديد جديد، الأمر الذي دفع البنكين إلى اتخاذ قرار إنهاء خدمات المراسلة اعتبارًا من الأول من سبتمبر، في انتظار إيجاد حل دائم من قبل الحكومة.
وفي المقابل، أصدرت وزارة المالية الإسرائيلية بيانًا أكدت فيه حرصها على استمرار العلاقات المالية بين الجانبين، محذرة من أن وقف هذه الخدمات قد يقوض الاستقرار الاقتصادي، ويدفع إلى توسع استخدام قنوات مالية غير خاضعة للرقابة، بما يزيد من مخاطر غسل الأموال وتمويل العمليات المسلحة.
كما كشف التقرير أن الولايات المتحدة واصلت، بعيدًا عن الأضواء، تحذير الحكومة الإسرائيلية من مخاطر انهيار السلطة الفلسطينية، وأثارت ملف المراسلة المصرفية خلال اتصالاتها مع تل أبيب، في ظل مخاوف من انعكاسات اقتصادية وأمنية قد تمتد إلى المنطقة بأكملها.
من جهته، أكد مسؤول فلسطيني أن السلطة حذرت منذ سنوات من احتمالات الانهيار المالي، إلا أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة دفعت الأوضاع إلى مستوى غير مسبوق من الخطورة، مشيرًا إلى أن الحكومة الفلسطينية تعمل حاليًا على إعادة توزيع مصادر التمويل، وتكثيف اتصالاتها مع المانحين للحصول على مساعدات طارئة تمكنها من الصمود حتى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
وتعكس هذه الأزمة تصعيدًا جديدًا في استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية ضمن سياسة الضغط الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من أن انهيار المنظومة المصرفية لن يقتصر أثره على الاقتصاد الفلسطيني، بل قد يمتد إلى الاستقرار المالي والأمني في المنطقة بأسرها.