بعد خمسة أشهر من العمليات الجوية الأميركية المكثفة، لا تزال إيران قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، في وقت تبدو فيه واشنطن عاجزة عن تحويل تفوقها الجوي إلى حسم عسكري أو تسوية سياسية.
وتكشف تقارير وتحليلات نشرتها صحف ومجلات أميركية وبريطانية، بينها بوليتيكو وديلي تلغراف ونيويورك تايمز وفورين بوليسي، واستعرضها تقرير في الجزيرة نت، أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، وسط غياب مسار واضح لإنهاء المواجهة.
واشنطن بين التصعيد والمأزق
ترى بوليتيكو أن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوسيع نطاق القصف ضد البنية التحتية الإيرانية تعكس إحباطًا متزايدًا داخل الإدارة الأميركية بسبب استمرار قدرة طهران على القتال ورفضها الاستسلام.
وبحسب مسؤولين وخبراء عسكريين نقلت عنهم الصحيفة، تواجه واشنطن خيارين كلاهما مكلف: توسيع الحرب لتشمل أهدافًا إضافية وربما التفكير في تدخل بري، أو مواصلة الضربات الجوية المتبادلة من دون مخرج سياسي أو عسكري واضح.
وأقر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، بأن القوة الجوية لها حدود، فيما وصف السيناتور الديمقراطي برايان شاتز الوضع بأنه “مأزق تكتيكي” لا تستطيع الغارات وحدها تجاوزه.
ورغم إعلان وزير الحرب بيت هيغسيث أن الضربات ألحقت بإيران أضرارًا غير مسبوقة، أقر بأن قدراتها العسكرية ما زالت قائمة، مشيرًا إلى أن الحرب كلّفت نحو 37.5 مليار دولار حتى الآن، مع طلب الإدارة تخصيص 67 مليار دولار إضافية لتغطية نفقات العمليات.
إيران تقلّص زمن إعادة تشغيل منصاتها
تكشف ديلي تلغراف أن إيران طورت قدرتها على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ بوتيرة سريعة تحت القصف.
وبحسب مسؤولين إيرانيين تحدثوا إلى الصحيفة، انخفض الزمن المطلوب لإعادة تشغيل المنصات بعد استهدافها من نحو 15 ساعة في بداية الحرب إلى أقل من 30 دقيقة، نتيجة تعديل إجراءات الانتشار والاستفادة من الخبرة الميدانية المتراكمة.
كما استمرت عمليات تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الحرب، وانتقلت المنتجات مباشرة من خطوط الإنتاج إلى الاستخدام الميداني، وفق تصريحات المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية العميد أبو الفضل شكارجي.
مدن الصواريخ تعقّد مهمة القصف
يعزو التقرير جانبًا كبيرًا من استمرار القدرات الإيرانية إلى شبكة المنشآت الصاروخية المحفورة في أعماق الجبال، والتي تضم مخازن للذخائر والوقود ومنصات الإطلاق.
ورغم استهداف بعض مداخل هذه المنشآت، تشير تقديرات محللين إلى أن إيران تمكنت من إعادة فتح أجزاء واسعة منها واستئناف استخدامها، مستفيدة كذلك من منصات إطلاق متنقلة يصعب رصدها وتدميرها بصورة كاملة.
ويرى خبراء أن استخدام الوقود الصلب، وتقنيات التوجيه الدقيق، والمناورة في المرحلة النهائية من مسار الصاروخ، أسهم في تقليص زمن التحضير وزيادة قدرة الصواريخ على تجاوز الدفاعات الجوية.
تحقيق بصري يوثق أضرارًا في القواعد الأميركية
في مقابل تأكيدات واشنطن بشأن إضعاف القدرات الإيرانية، خلص تحقيق بصري أجرته نيويورك تايمز إلى أن طهران ما زالت قادرة على تنفيذ هجمات دقيقة ضد المواقع العسكرية الأميركية في المنطقة.
واستنادًا إلى صور أقمار صناعية ومقاطع فيديو ومواد مصورة من المواقع المستهدفة، وثّق التحقيق تعرض تسعة مواقع عسكرية أميركية لهجمات إيرانية خلال أسبوعين أعقبا انهيار وقف إطلاق النار.
وشملت الأضرار مساكن للجنود، وحظائر للطائرات المسيّرة، ومنظومات رادار، ومستودعات، ومنشآت تشغيلية في الأردن والعراق والبحرين والكويت.
وكانت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن من أبرز المواقع المستهدفة، بعدما أدى صاروخ إيراني إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة آخرين، وفق التقرير.
كما أظهرت الصور تضرر منشآت في قاعدة البرج 22، ومطار الملك حسين الدولي، ومطار أربيل، وقاعدتي علي السالم وأحمد الجابر، إضافة إلى مرفق بحري في البحرين.
مضيق هرمز يتحول إلى جبهة اقتصادية
بالتوازي مع المواجهة العسكرية، ترى فورين بوليسي أن التحدي الأكبر الذي يواجه إدارة ترمب بات اقتصاديًا، بسبب استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع كلفة الحرب.
ونقل التقرير عن المسؤول الأميركي السابق آلان آير تشكيكه في قدرة إستراتيجية الضغط العسكري والاقتصادي على إجبار إيران على تغيير حساباتها، معتبرًا أن الحملة الأميركية لم تنجح في استعادة حركة الملاحة الطبيعية أو تقويض قدرة طهران على تهديد السفن.
وبحسب التقرير، تراجعت حركة العبور في المضيق إلى مستويات متدنية للغاية، فيما يتوقع محللون استمرار شبه الشلل حتى نهاية العام على الأقل.
كلفة الحرب تضغط على الداخل الأميركي
انعكس التصعيد مباشرة على أسواق الطاقة، إذ اقترب سعر خام برنت من 95 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون.
كما تثير مستويات الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأميركي مخاوف بشأن قدرة واشنطن على مواجهة أي صدمة إضافية، في وقت قد يؤدي توسع الهجمات في البحر الأحمر إلى زيادة الضغوط على تجارة الطاقة والاقتصاد العالمي.
معركة صمود طويلة
تكشف التقارير مجتمعة مفارقة واضحة: الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا جويًا وقدرةً ناريةً هائلة، وتؤكد أنها ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا التفوق إلى حسم ميداني أو إخراج منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة من المعركة.
وفي المقابل، نجحت إيران في الحفاظ على قدر كافٍ من قدراتها الهجومية، مستفيدةً من منشآتها المحصنة، ومنصات الإطلاق المتنقلة، وتوزيع مخزونها الصاروخي، وقدرتها على إصلاح الأضرار وتطوير أساليب التشغيل تحت القصف. وبذلك، لم تعد المواجهة تُقاس بحجم الدمار الذي تحدثه الغارات، بل بقدرة كل طرف على الاستمرار وتحمل الكلفة مدةً أطول.
وتبدو واشنطن مترددةً في الانتقال إلى حرب أشمل، بسبب ما قد يترتب عليها من خسائر بشرية وتداعيات سياسية واقتصادية، في حين تراهن طهران على إطالة أمد المواجهة، واستنزاف الموارد الأميركية، وإبقاء القواعد والممرات البحرية وأسواق الطاقة تحت الضغط.
وبين تفوق أميركي لا يحقق الحسم، وصمود إيراني يمنع الهزيمة، تتجه الحرب إلى مأزق طويل، يصبح فيه عامل الوقت والكلفة الاقتصادية والقدرة على تعويض الخسائر أكثر أهميةً من عدد الغارات أو حجم القوة المستخدمة.