الخطاب السّياسيّ وعلم آخر الزّمان: تساؤلات وتأمُّلات

تموز 15, 2026 محمد علي بردى 10 قراءة 1 دقائق قراءة

راجت بعد عمليّة “طوفان الأقصى” وتطوُّر الحرب خلال فترة الإسناد قراءات سياسيّة لم تكن سائدة في المجتمعات المادِّيَّة، لا بل كانت محلًّا لاستهجان واستهزاء الأكاديميّين والمحلّلين لفترات طويلة كما هو معلوم نتيجة التّغييب المتعمّد للتّراث الدّينيّ في المناخ العامّ وبفعل الهندسة الاجتماعيّة العلمانيّة التي عملت عليها الانتليجنسيا لمئات السّنين. وهذه القراءات انطلقت ولا تزال تنطلق من الاسكاتولوجيا، أي علم آخر الزّمان.

من حقّنا أن نسأل ما الذي استدعى هذا النّمط من الخطاب السّياسيّ وأخرج الاسكاتولوجيا من عالم العلوم الدّينيّة والدّراسات الثّقافيّة والانثروبولوجيا (علم الإنسان) لتنال كلّ هذا الاهتمام من قِبل أطراف لم يُعهد ذلك منهم سابقاً، بل هم مشهورون بالتَّوقُّف عند مدلولات الحواسّ والمعطيات الطّبيعيّة المبنيّة على تقديرات وأبحاث تضمن “الپراغماتيّة” اللّازمة لحفظ المصالح القوميّة؟

قد يكون السّبب فطريًّا، كما نعبّر في أدبيّاتنا الدّينيّة، بلحاظ أنّ الأهوال التي شهدها العالم أثناء الإبادة الجماعيّة في فلسطين ولبنان، فضلاً عمّا قبلها وبعدها من كوارث صنعتها أيدي الامبراطوريّات والولائج هنا وهناك، تؤذِن بسقوط النُّظُم والتّصاميم البشريّة في مختلف المجالات بلا شكّ، فحينئذٍ من الطّبيعيّ أن يلجأ الإنسان إلى الاستغاثة بالوحي وما اتّصل بالقدرة المطلقة والإخبارات الغيبيّة. وقد يرجع السّبب إلى الجغرافيا على اعتبار ما لهذه البلاد بالذّات من خصوصيّة ومركزيّة في التّاريخ البشريّ.

لكن هناك احتمال آخر نأمل أن نوفَّق للتّفصيل في تحليله وبيان شواهده في المستقبل. خلاصته أنّه مِن خلال تتبُّع أبرز المنظّرين لهذه القراءات واستقراء التّحليلات المبنيّة عليها (حتى بات من ينكر المعاد والقيامة يتحدّث عن العلامات الحتميّة لظهور المهديّ عليه السّلام وإرهاصات آخر الزّمان ونحو ذلك)، فإنّ القول بتحوُّل هذه المرتكزات الدّينيّة إلى موادّ استثمار في أيدي بعض القوى اللّادينيّة غير بعيد.

تعرف هذه القوى أنّ من شأن استمرار المواجهة بين محور المقاومة وأميركا أن يستنزف “الشّيطان الأكبر” إلى الحدّ الذي تتحقّق فيه تعدُّديَّة الأقطاب في النّظام العالميّ، ولهذا سارع الخبراء والمحلّلون التّابعون لهذه القوى إلى محاولة إقناع الرّأي العامّ في فترة الإسناد بأنّ نتنياهو لا يريد حرباً شاملة في المنطقة ولا بُدّ للمحور أن يبادر ويخوض حرباً شاملة، مخالفين بذلك تشخيص قادة المقاومة بأنّ احتواء الزّلزال وتحييد سائر المحور كفيل بإفشال طموح العدوّ بالمواجهة الموسَّعة. واليوم، لا تكاد تجد خبيراً في القضايا الاستراتيجيّة ينكر مدخليّة هذه الحرب في الصّراع الأميركيّ الأكبر مع روسيا والصّين.

أليس غريباً أن تُصدِّر بعض هذه القوى العظمى، وهي التي يُضرب بها المثل من بين الدّول المعاصرة في ممارسة السّياسة الواقعيّة (Realpolitik)، قراءات سياسيّة مبنيّة على الاسكاتولوجيا؟ ألا يدعو كلّ هذا الاهتمام الفجائيّ بـ “آخر الزّمان” للتَّأمُّل، فضلاً عن الحذر؟ نتحدّث عن خطاب سياسيّ مبنيّ على الجزم في قضايا غيبيّة لا يستقلّ العقل في إدراكها، يقدّم تحليلات ويطالب باتّخاذ مواقف على أساس أنّ ما يقع في الخارج هو ذاك المذكور في النُّصوص، وأنّ نهاية التّاريخ قد وصلت. والفظيع أيضاً أنّه خطاب قائم على تبسيط معتقدات الأطراف وحصرها في الجوانب التي تستدعي سياسات معيّنة، إلخ.

لست قلقاً من احتمال وقوع قادة المحور في فخّ كهذا لأنّ هناك ضوابط عقائديّة تحول دونه بإذن الله، ولأنّه في حين أنّ مباني المشروع الحضاريّ الذي يتبنّاه المحور هي ذات جوهر دينيّ وعقائديّ فإنّ معالمه علميّة وعمليّة وموضوعيّة، ويمكن مقاربتها في السّياسة والأمن والاقتصاد وغير ذلك. ولا يخفى أنّ دخول المحور في المواجهة الحاليّة ليس متوقّفاً على مراجع الاسكاتولوجيا أو تكهُّنات الهواة أو تهاويل المرجفين، وإنّما له مسوّغات شرعيّة ظاهرة كالدّفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين كما يُعبَّر في الفقه.

لكن مع ذلك فإنّه يجدر التّذكير بأنّ في التّراث الإماميّ ما يدرأ مفاسد هذه القراءات وينقذ الانسان من مخاطرها، ففيه ما يكذّب الوقّاتين ويخبر بهلاك المستعجِلين ويبشّر بنجاة المسلِّمين وبكونهم الثُّلث الباقي، وفيه ما يؤكّد على مكانة البداء في العقيدة الشّيعيّة وأثرها في حركة التّاريخ (بل لعلّ في استحضارها خلال مواجهة مع طرف يدّعي بأنّ يد الله مغلولة عِبرة، وهو العالِم بحقائق الأُمور). هذا، وقد نبّه قادة المقاومة أنفسهم من خطر اعتماد هذا الأُسلوب ولم يتركوا، رغم اهتمامهم الكبير بالقضايا هذه، نظريّتَي الانتظار والمقاومة وسائر الوظائف العمليّة التي تمليها العقيدة الصّحيحة والشّرع المبين، فليُتأمّل جيّداً.

غاية الأمر أنّه لا ينبغي الانجرار وراء كلّ دعوى ولا الانبهار بكلّ غريب. أختم بتلميح لطيف من شِعر الشيخ محمّد علي عزّ الدّين العامليّ الصّوريّ الحنويهيّ (المُتوفّى سنة ١٣٠٣ هـ):
وذروا وليَّ اللهِ يقضي حقَّه
من غيبةٍ جلَّت عن التَّخمينِ
لله سرٌّ لا يُذاعُ فإنْ يحن
إظهاره يُجلى لكلِّ فطينِ
وحجابُ غيبِ اللهِ لا يُرجى له
كشفٌ بغيرِ عطائه الممنونِ..