يمكن قراءة ما حدث في كأس العالم 2026، من تراجع المنتخبات العربية عامة، والمنتخب التونسي بشكل خاص، باعتباره أكثر من مجرد سلسلة نتائج رياضية. فالهزائم، حين تتكرر بهذا الشكل، لا تعود حدثًا طارئًا بقدر ما تصبح لغةً صامتة تكشف ما هو أعمق من سطح المباراة.
لا يمكن فصل أداء المنتخبات عن موقع البلدان العربية في النظام الرأسمالي العالمي. فالدول التي تعاني من تبعية اقتصادية، وضعف في التصنيع المعرفي، وقيمة مضافة مستلبة، لا يمكنها بسهولة أن تنتج أنظمة رياضية مستقرة قادرة على المنافسة المستمرة. كرة القدم الحديثة ليست موهبة فقط، بل صناعة: تدريب، علوم رياضية، بنى تحتية، تسويق، واستثمار طويل المدى في الإنسان. وهذه كلها عناصر مرتبطة بقدرة المجتمع على إنتاج نفسه..
مثال على ذلك المنتخب التونسي، فالهزيمة الثقيلة أمام اليابان (0–4) وقبل السويد، لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل لحظة تكثف فيها الفارق بين نموذجين تاريخيين مختلفين في التطور الرأسمالي نفسه. اليابان، رغم موقعها في النظام العالمي، استطاعت بناء نموذج رأسمالية صناعية متقدمة ودمْج نفسها ضمن المركز الإمبريالي، أنتجت انضباطًا مؤسساتيًا يظهر حتى في كرة القدم: التنظيم، السرعة، القرار الجماعي. في المقابل، تعكس الحالة التونسية والعربية عمومًا اقتصادًا تابعًا، يعيد إنتاج ذاته في دوائر من الاستهلاك، لا في ديناميكية إنتاج مستمر للقيمة والمهارة.
يمكن القول إن الاتحاد الرياضي في هذه البلدان يعمل كجزء من “أجهزة الدولة الأيديولوجية” (Ideological State Apparatuses) على منهج المفكر الفرنسي لويس ألتوسير: يُنتج خطابًا عن “الروح القتالية” و“التمثيل المشرف” و“الحظ السيئ”، لكنه في الواقع يغطي على أزمة بنيوية في الإنتاج والتنظيم والتخطيط. هنا تصبح كرة القدم أداة لإعادة إنتاج الوهم أكثر من كونها مجالًا للتنافس الحقيقي.
الأهم من ذلك أن كرة القدم العالمية اليوم خضعت بالكامل لمنطق الرأسمالية المتأخرة: تحويل اللاعب إلى قوة عمل متنقلة، تحويل الأندية إلى شركات، وتحويل المنتخبات إلى واجهات رمزية للدولة في السوق العالمية للصور. في هذا السياق، لا يعود المنتخب مجرد فريق وطني، بل “علامة” في اقتصاد عالمي للفرجة. ومن لا يملك أدوات الإنتاج الرياضي الحديثة، يتحول إلى مجرد مستهلك في هذا السوق، لا فاعل فيه.
الخسائر العربية في كأس العالم 2026 ليست إذًا استثناءً، بل تعبيرًا مكثفًا عن موقع هذه البلدان في تقسيم العمل العالمي، حيث يتم تصدير المواد الخام والقوى البشرية، بينما يتم استيراد النماذج الجاهزة: تكتيكات، مدربين، وحتى أساليب تفكير. هذا الاعتماد البنيوي يجعل أي محاولة للنجاح الرياضي الكبير مؤقتة وهشة، لأنها لا تستند إلى قاعدة إنتاج ذاتية مستقلة.
في النهاية، لا يبدو فشل المنتخبات العربية في كأس العالم مجرد هزيمة رياضية، بل لحظة ظهور فجوة تاريخية، واقع مجتمعات لا تزال في موقع التبعية في شتى المجالات.
كرة القدم هنا ليست سوى مرآة صغيرة لمرض نهش المجتمعات وكل القطاعات، والرياضة ليست بمنأى عن ذلك.