الدبلوماسية العسكرية الموازية: قائد الجيش في إسلام آباد…

في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تكتسب زيارة قائد الجيش اللبناني إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تلبية لدعوة رسمية من نظيره الباكستاني، أبعاداً تتجاوز الإطار البروتوكولي العسكري التقليدي. فالزيارة، في جوهرها، تمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى وضع المؤسسة العسكرية اللبنانية ضمن شبكة الوساطة الإقليمية والدولية المعقدة التي تقودها باكستان، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأثر هذا التحرك على التوازنات الداخلية اللبنانية.

​التموضع في شبكة الوساطة الدولية
​تتحرك إسلام آباد اليوم كقناة تفاوض ووساطة نشيطة وموثوقة خلف الكواليس بين محاور إقليمية ودولية كبرى. ومن خلال هذا الباب العريض، تسعى قيادة الجيش اللبناني إلى حجز مقعد للمؤسسة العسكرية يتيح لها مواكبة المناخات التفاوضية ومواجهة الاستحقاقات الأمنية بغطاء إقليمي مرن. هذا التموضع يمنح الجيش هوامش حركة أوسع، ويؤمّن له قنوات اتصال موازية تجنبه الاعتماد الحصري على مسارات تفاوضية أحادية قد تسقط في فخ التعطيل.

​صمام أمان في وجه “الانسداد الرئاسي”
​الأهمية القصوى لهذا التحرك الخارجي تكمن في تكريس حالة من “التمايز الذكي” عن المسار التفاوضي السياسي الذي تقوده رئاسة الجمهورية. إن هذا التمايز يضمن للجيش اللبناني ألا يكون مقيداً بالكامل بالنتائج السياسية للمسار الرئاسي؛ فإذا ما تعثرت مفاوضات القصر الجمهوري، أو واجهت حائطاً مسدوداً بفعل الرفض الداخلي أو الشروط الإقليمية المتقاطعة، يظل الجيش محتفظاً بقنواته الدولية والإقليمية المستقلة.

​يعمل هذا الهامش المستقل كصمام أمان حقيقي يحمي المؤسسة العسكرية من خطر الشلل الإداري، أو الأسوأ من ذلك: خطر الاصطدام الميداني مع القوى المحلية الرافضة لبعض الطروحات السياسية.

​المصلحة الدفاعية العليا والاستقلالية المرنة
​إن التمايز الذي ترسمه قيادة الجيش اليوم لا يعني الانكفاء أو التمرد، بل هو تأكيد علني وممارس بأن دور المؤسسة ينطلق أولاً وأخيراً من “المصلحة الدفاعية العليا وحماية السلم الأهلي”. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، تستفيد القيادة العسكرية من قنوات التواصل المفتوحة على مصراعيها مع مختلف أركان الدولة وصناع القرار، ولعل أبرز تجلياتها هو التنسيق المستمر والمباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بوصفه قطب التوازن والتقاطع في هذه المرحلة.

​تأتي هذه الزيارة الخارجية لتمنح القيادة العسكرية اللبنانية “استقلالية مرنة” فائقة الأهمية. استقلالية تحمي الجيش من السقوط في فخ الاستقطاب السياسي الحاد الناجم عن مسار التفاوض الرئاسي، وتؤكد أن بندقية الجيش ستبقى موجهة لحماية الوطن واستقراره، بعيداً عن زواريب الحسابات السياسية الضيقة، ليبقى الجيش المرجعية والملاذ الأخير لبلد يعيش على حافة التسويات الكبرى.

التعليقات مغلقة.