في تاريخ الحروب الكبرى، لم تكن القلاع الحصينة تسقط دائمًا تحت وطأة المدافع، بل كانت تنهار حين تنجح سيكولوجيا الهزيمة في التسلّل إلى الجبهة الداخلية، عبر ما عُرف تاريخيًا بـ“الطابور الخامس”؛ ذلك المصطلح الذي وُلد في الحرب الأهلية الإسبانية لوصف أولئك الذين يمهّدون، خفيةً أو جهرًا، الطريق أمام المعتدي.
واليوم، يتبدّى هذا السلوك بصيغٍ معاصرة في خطابات بعض الشخصيات السياسية، حيث تنزلق اللغة من حيّز الخصومة إلى فضاء التحريض العملي؛ فمن يدعو بالأمس إلى استهداف مرفقٍ سيادي كمطار بيروت، ويعود اليوم ليبثّ الذعر مطالبًا بإخلاء أحياءٍ سكنية، لا يمارس رأيًا سياسيًا بقدر ما يؤدي دور “العرّاب المعنوي” للعدوان، واضعًا إحداثياتٍ أخلاقية وسياسية تبرّر توسيع دائرة القتل والتهجير.
ومن زاوية علم النفس السياسي، تكشف هذه الظاهرة عن استراتيجية يمكن وصفها بـ“كيّ الوعي”، حيث تُستعمل لغة “الحرص على المدنيين” غطاءً لتمرير شكلٍ من الإرهاب الناعم، غايته تفكيك الارتباط الوجداني بين الإنسان وأرضه. وهو سلوكٌ يتقاطعُ مع ما عُرف تاريخيًا بالانهزامية المنظمة؛ حين يُقنَع المجتمع بأن كلفة الصمود أفدح من كلفة الاستسلام، وأن النزوح هو الملاذ الوحيد للنجاة.
غير أنّ التجارب التاريخيّة، تُظهر أنّ الخطاب الداخلي في زمن الحروب قد يتحوّل -عن قصد أو عن غير قصد- إلى مادة دعائية يستثمرها العدو لتبرير أفعاله وتوسيع هامش عملياته، حتى وإن لم يكن هذا الخطاب هو العامل المباشر في قرار التدمير.
تكمن خطورة هذا الخطاب في كونه يوفّر للعدو غطاءً من “الشرعية” أمام الرأي العام الدولي؛ إذ يتحوّل الضحية، بفعل هذا التوصيف، إلى مسؤولٍ عن دمه، فيما يُعاد تقديم الجلّاد في صورة المدافع عن أمنه. وهنا، لا تعود المواجهة مجرّد سجال إعلامي، بل معركة وعيٍ ووجود.
فدعوات الإخلاء العشوائي، والتحريض على المنشآت الوطنية، ليست سوى خرائط إحداثياتٍ تُرسم بلسانٍ داخلي، هدفها تحويل الحاضنة من بيئة صمود إلى فضاءٍ قلقٍ ومطارد. ومن هنا، فإن حماية الوطن لا تبدأ على خطوط النار فحسب، بل أيضًا عند حدود الكلمة: بكشف هذه الألسن المستعارة، وتفعيل المساءلة الوطنية والقانونية، لأنّ التاريخ لا يغفر لمن فتح ثغرةً في جدار الوطن، ليمرّ منها رصاص العدو مغلّفًا بعبارات “الحرص” المسمومة.