حين يصبح الوعي جبهة: قراءة في بيان الشيخ نعيم قاسم

في لحظات الحرب الكبرى، لا تُقاس الخطابات بوقع كلماتها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل وعي الشعوب. وبيان الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم لا يمكن قراءته كبيان سياسي تقليدي، بل كنصّ يؤسس لمرحلة، ويعيد تعريف الصراع، ويضع اللبنانيين أمام سؤال وجودي لا يحتمل التأجيل: من نحن في هذه الحرب؟ وما الذي ندافع عنه؟

منذ السطر الأول، يخرج البيان من الإطار المحلي الضيق إلى أفق أوسع، حيث لا يعود العدوان مجرد خرق لاتفاق أو تجاوز لحدود، بل جزءًا من مشروع استراتيجي كبير عنوانه “إسرائيل الكبرى”. هنا، لا يُطرح الصراع كحادثة، بل كمسار تاريخي ممتد، ما يعني أن المواجهة ليست خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة وجودية. بهذه النقلة، يُنزع عن الحرب طابعها التكتيكي، وتُعاد صياغتها كمعركة على هوية المنطقة ومستقبلها.

لكن أخطر ما في البيان ليس توصيف العدو، بل تحديد الخيارات. إذ يضعنا أمام معادلة حاسمة: إما الاستسلام والتنازل عن الأرض والسيادة، وإما المواجهة. لا منطقة رمادية هنا، ولا مساحات للالتباس. وهذا بحد ذاته فعل سياسي عميق، لأنه يعيد فرز المواقف على أساس أخلاقي لا براغماتي. فحين تُختزل الخيارات، ينكشف الموقف الحقيقي، ويسقط القناع عن كل خطاب يحاول التوفيق بين ما لا يُجمع.

في هذا السياق، يقدّم البيان مفهومًا بالغ الأهمية: أن المقاومة لا تتحرك بردّ فعل، بل وفق توقيت تختاره هي. وهذا التحول من موقع “الرد” إلى موقع “القرار” هو جوهر القوة. فالحرب ليست فقط في الميدان، بل في من يملك زمام المبادرة، ومن يفرض إيقاعها. وعندما تقول المقاومة إنها أفشلت عنصر المفاجأة ومنعت العدو من الاستفراد بلبنان، فهي لا تتحدث عن إنجاز عسكري فحسب، بل عن تثبيت معادلة جديدة في ميزان الصراع.

غير أن البعد الأكثر تأثيرًا في البيان يظهر في كيفية التعامل مع الألم. فالنزوح، والخسائر، والتضحيات، لا تُعرض ككلفة مأساوية، بل كجزء من معركة الكرامة. هنا تتحول المعاناة من عبء إلى معنى، ومن خسارة إلى مساهمة في صناعة المستقبل. وهذا التحول ليس عاطفيًا، بل هو أحد أهم أسرار صمود المجتمعات في الحروب الطويلة: أن تفهم ألمها، وأن تعطيه قيمة، وألا تسمح له بأن يتحول إلى نقطة انكسار.

وفي مواجهة النقاش الداخلي حول “حصرية السلاح”، لا يذهب البيان إلى سجال قانوني أو دستوري، بل يعيد تأطير المسألة من جذورها. فحين يُطرح نزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال والعدوان، لا يعود الأمر نقاشًا تنظيميًا، بل يصبح خطوة في مسار إضعاف لبنان وتجريده من عناصر قوته. بهذا المعنى، يتحول السجال من سؤال: “من يحمل السلاح؟” إلى سؤال: “هل يبقى لبنان قادرًا على الدفاع عن نفسه؟”.

أما على المستوى الوطني، فيضع البيان الوحدة في قلب المعركة. لكنه لا يتحدث عنها كشعار، بل كشرط للانتصار. فالوحدة هنا ليست ترفًا سياسيًا، بل هي سلاح استراتيجي يوازي في أهميته السلاح الميداني. ومن دونها، يتحول أي إنجاز إلى إنجاز ناقص، وأي صمود إلى صمود هش. لذلك، تأتي الدعوة واضحة: تأجيل الخلافات، وتقديم أولوية وقف العدوان، لأن المعارك الوجودية لا تُخاض بجبهات داخلية متنازعة.

ولم يغب البعد الإيماني عن البيان، لكنه لم يُستخدم كخطاب تعبوي تقليدي، بل كإطار يمنح الصراع معنى أعمق. فالإحالة إلى النص القرآني ليست فقط للتثبيت النفسي، بل لربط المعركة بسياق تاريخي أوسع، حيث تتحول المواجهة إلى جزء من سنن الصراع بين الاستضعاف والاستكبار. وهذا ما يمنح الخطاب بعدًا يتجاوز اللحظة، ويضعها في مسار ممتد من الصراع الإنساني.

وفي ربطه بين ما يجري في لبنان وما تواجهه إيران، يقدّم البيان قراءة موحّدة للساحات، لا بوصفها تحالفات سياسية فقط، بل كجبهة واحدة في مواجهة مشروع واحد. وهنا، يصبح كل صمود في مكان ما، عامل قوة في مكان آخر، وكل انتصار جزئي، لبنة في معادلة كبرى تتشكل تدريجيًا.

في الخلاصة، لا يقول هذا البيان إن المقاومة قوية، بل يبني تصورًا يجعل الهزيمة غير ممكنة في وعي من يؤمن به. إنه خطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد تشكيله، ولا يكتفي بالدفاع عن خيار، بل يحوّله إلى قدر. وهنا تكمن خطورته وقوته في آنٍ معًا: أنه لا يطلب من الناس أن يقاتلوا فقط، بل أن يفكروا بطريقة تجعل القتال هو النتيجة الطبيعية الوحيدة الممكنة.
إنه، ببساطة، بيان لا يُقرأ كسياسة، بل كمرحلة.

ايرانحزب اللهلبناننعيم قاسم