على هامش التفاوض الأميركي-الإيراني: أيّ موقع للبنان في خرائط التسوية الإقليمية؟

فيما تُستأنف المبادرات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بعد سنوات من توتر متواصل وتصعيد أدى إلى حرب مفتوحة بين إيران و”إسرائيل” في عام 2025، تتجه الأنظار إلى جولات التفاوض غير المباشرة في مسقط (عُمان)، في مسعى لإحياء نوع من الاتفاق أو على الأقل الحدّ من المخاطر الأمنية المتفاقمة في الشرق الأوسط.

في أوائل شباط 2026، استُؤنفت المباحثات غير المباشرة التي هدفت إلى تقليل التوترات من خلال مناقشة الملف النووي الإيراني وضمانات عدم التصعيد، في سياق تهديدات مفتوحة عن إمكانية تصعيد عسكري إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات.

إن جولة التفاوض لا تزال حتى اللحظة غير محسومة النتائج، مع تأكيد إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم ورفضها مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية، بينما تسعى واشنطن إلى حد من قدرات طهران النووية والصاروخية وتقليص دعمها لوكلائها الإقليميين.

يُنظر إلى هذه المفاوضات كاختبار للقدرة الأميركية على التحول من سياسة “الضغوط القصوى” والعقوبات إلى خطاب دبلوماسي أكثر مرونة، في ظل إدراك إقليمي ودولي بأن حلولًا عسكرية لن تجلب استقرارًا مستدامًا. لكن من جهة إيرانية، يأخذ التفاوض طابع الدفاع عن السيادة واستقلال القرار، ما يزيد من وطأة التعقيدات السياسية.

الانعكاسات على لبنان تبدو كبيرة ومعقدة في الوقت نفسه. لبنان، الذي يشهد منذ سنوات حالة من الانقسام الداخلي والتوترات السياسية والأمنية، مرتبط بشكل وثيق بتطورات المفاوضات الأميركية – الإيرانية عبر محورين رئيسَين: وجود حزب الله والاستقرار على الحدود الجنوبية.

أولًا، يُعدّ حزب الله، المدعوم من إيران، أحد أهم الفاعلين في السياسة اللبنانية والمنطقة، وهو جزء لا يتجزأ من التسوية الإقليمية الشاملة. ويرى بعض المحللين أن نجاح أي اتفاق بين الطرفين قد يدفع إلى مطالبات أميركية بضبط سلاح الحزب أو إدماجه في الدولة اللبنانية، في إطار مساعٍ لتخفيف التوترات في لبنان. لكن الأمر ليس محسومًا، فالحزب نفسه يرى في هذه المفاوضات فرصة لإبقاء وضع السلاح على حاله، ما يعكس الفجوة بين الرؤى الدولية والواقع اللبناني الداخلي.

ثانيًا، تتشابك المفاوضات الأميركية – الإيرانية مع الوضع في جنوب لبنان، حيث لا تزال لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) تواجه أزمة عطّلت قدرتها على إدارة المرحلة الحساسة، في حين تستمر مخاوف حول احتمال عودة التصعيد إذا لم تتغير المعادلات الإقليمية. في هذا السياق، يراقب المراقبون اللبنانيون ما إذا كانت المفاوضات قد “تُجمّد” النزاع مع إسرائيل على الحدود أو تؤدي إلى تغييرات في التوازنات الأمنية هناك.

إن بروز دور الوسطاء الإقليميين مثل عمان في هذه الجولة التفاوضية يعكس إدراكًا أميركيًّا وإيرانيًّا على حد سواء بأن التصعيد العسكري في المنطقة مكلف جدًا، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على هشاشة السياسة اللبنانية وسط هذه التوازنات المتقلبة. ففي الوقت الذي تُعطي فيه واشنطن الأولوية لقضايا الحد من النفوذ الإيراني النووي والصاروخي وتقليص التهديدات المباشرة لـ”إسرائيل” وحلفائها، تبقى نتائج هذه الضغوط مرهونة بقدرة لبنان على إدارة النزاعات الداخلية والموقف من سلاح حزب الله، وما إذا كان سيتم إدراجه في أية صيغة تفاوضية إقليمية مستقبلية.

من ثم، فإن ما يحدث في جولات المفاوضات الأميركية – الإيرانية ليس حدثًا بعيدًا عن الواقع اللبناني، بل هو معبّر عن شبكات العلاقات المعقدة بين القوة الناعمة والصلبة في السياسة الإقليمية، وتأثير ذلك على استقرار لبنان وأمنه الوطني. يبقى السؤال المطروح: هل ستسفر هذه المفاوضات عن أفق دبلوماسي جديد يمنح لبنان مساحة أوسع للاستقرار الداخلي؟ أم أنها ستبقى رهينة المصالح الكبرى وتوازنات القوى في المنطقة؟ واقع الحال يشير إلى أن الإجابة لن تكون سهلة، وأن لبنان سيظل في قلب هذه اللعبة الدبلوماسية المركبة، سواء بمشاركته المباشرة أو بتأثير تداعياتها على الأرض.

المفاوضاتالمللف النوويايرانحزب اللهلبنان