أن تكون ابن القرى الحدودية الجنوبية

أن تكون ابن القرى الحدودية الجنوبية، هذا يعني أن الأمر يختلف كثيرًا عن كونك مواطنًا لبنانيًا فقط، تاريخك ونمط حياتك ومبادئك ومقومات وجودك واستمراريتك تختلف شكلًا ومضمونًا عن تلك المتصلة بأبناء الوطن الآخرين.

السطور التالية لم تكتب لإحداث أي مقارنة بين المواطن الجنوبي في الحافة الأمامية، وآخر في أي بقعة جغرافية من هذا الوطن، لكنها تأتي في سياق تسليط الضوء على حياة هذا الجنوبي الذي حاربه ويحاربه العدو وخلفه العالم، ودولته “السيادية”، و”شركاؤه الاستقلاليون” في الوطن، وكل من يجد في صموده ومقاومته “تحديًا وجوديًا ومأزقًا حقيقيًًا”، تأتي لتنقل معاناة أبناء هذه القرى التي ولدت على حافة الخطر، وتعلمت منذ القدم أن الحياة ليست أمرًا مسلمًا به، بل حق ينتزع بالصبر والصمود.

إنها لنعمة، وفخر أبدي أنني ابنة هذه القرى، وُلدت فيها، كبرت في كنف أرضها وتحت زرقة سمائها الحرة، رغم هدير طائرات الموت، عشت طفولة أبنائها وغربة شبابها، تعلمت منها كيف يذوب المرء بحب أرضه، وكيف يبذل عمره فداءً للذود عنها دون أن يوفّيها حقها، وأيقنت أيضًا كيف تنتصر الإرادة والقبضة والحجر والزيت المغلي على المدفع والقنابل.

منذ القدم عاشت قرانا على وقع الحروب “الإسرائيلية” المتكررة والمستمرة، وكأن قدرها أن تكون خط الدفاع الأول عن الوطن. تعاقبت الأزمنة، وتبدلت الأسماء، لكن المعاناة بقيت واحدة: أرض تُستهدف، وناس يُطالبون بالصمود أكثر مما يُمنحون مقومات الحياة. هنا، لم يكن التاريخ حكاية تُروى في الكتب، بل تجربة تُعاش في تفاصيل الأيام.

حكايات أهالي هذه القرى لا تنفصل في الجزء الأكبر منها، عن مشاهد المعاناة والحرمان المرافقة للاحتلال “الإسرائيلي” وعدوانه المستمر. فالدولة التي تخلّت عن حماية أبنائها في هذه القرى، ولا زالت، ساهمت أيضًا في تكريس مبدأ حرمانهم من أبسط حقوقهم الاجتماعية والمعيشية، في الاستشفاء والطبابة والتعليم وتوفير فرص العمل وأبسط مقومات العيش والاستمرار.

اليوم، تتجدد المعاناة بأشكال مختلفة. تهديدات “اسرائيلية” مستمرة، نزوح متكرر، خوف على الغد، وقلق على الأرواح والبيوت والأرزاق، لكن الجديد هو ثقل الإهمال، وشعور الناس بأن صوتهم لا يصل كما يجب، لا سيما وأن حكومتهم غائبة حاضرة، مشاركة بقصد وعن غير قصد بالمماطلة في عملية اعادة الإعمار، ومع ذلك، ما زال أهل القرى الحدودية يرفعون الصوت عاليًا، حقًا بالحياة الآمنة والكريمة.

أمام هذه المعاناة، يجد الجنوبي نفسه وحيدًا في مواجهة عدوه وإهمال دولته، لكنه عصيّ -كما جبل عامل- على الانكسار والخضوع والاستسلام. يعود الجنوبي، كما في كل مرة، إلى اعادة بلورة الأمل والحياة بطريقته الخاصة ويجمع شتاته ليبدأ من جديد، لأنه يعلم في قرارة نفسه، أن الدولة التي تخلت عنه لعقود من الزمن، لن تمد اليوم يدها له، ولن تقف في وجه العدو دفاعًا عنه، والتاريخ، والحاضر بكل أحداثه يشهد على هذه الحقيقة المُرة.

في القرى الحدودية الجنوبية، يُزرع الأمل كما يُزرع التبغ والزيتون، بعنادٍ وصبرٍ وإيمانٍ بالأرض. وكوني ابنة هذه القرى، أحمل وجعها كما أحمل اسمها، أكتب عنها لا لأستدرّ الشفقة، بل لأقول إن الصمود ليس قدرًا، بل خيارٌ قاسٍ فُرض على أناسٍ يستحقون الحياة مثل سواهم. أكتب لأن الجنوب ليس خبرًا عابرًا، ولا هامشًا في وطن، بل قلبه النابض، إذا أُنهك أكثر، أُنهك كل الوطن، وهذه حكايتنا، الممتدة من الماضي إلى اليوم: حكاية أرضٍ تُحِبّ أهلها، وأهلٍ لا يعرفون الرحيل عنها.

جنوب لبنانلبنان