العلاقة الأميركية-الإيرانية: صراع الضغوط وتماسك النظام

يشهد الواقع السياسي الدولي في المرحلة الراهنة تصعيدًا محسوبًا في العلاقة المتوترة أصلًا بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ضمن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد. فالصراع بين الطرفين لم يعد مقتصرًا على الملف النووي، بل تمدّد ليشمل ملفات النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في وقت تتشابك فيه الأزمات العالمية من أوكرانيا إلى بحر الصين.

تعتمد الولايات المتحدة، منذ انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018، سياسة «الضغط الأقصى» على إيران، عبر العقوبات الاقتصادية والمالية، ومحاولات العزل السياسي، والتهديدات العسكرية غير المباشرة. إلا أن هذه السياسة، رغم كلفتها العالية على الاقتصاد الإيراني، لم تنجح في تحقيق هدفها المركزي المعلن، وهو إحداث تغيير جوهري في سلوك النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار من الداخل.

في المقابل، تعاملت إيران مع هذا الضغط بمنطق الصبر الاستراتيجي وتعدد أدوات المواجهة. فقد عملت على إعادة هيكلة اقتصادها باتجاه تقليل الاعتماد على النفط، وتوسيع شراكاتها مع قوى دولية صاعدة كروسيا والصين، إضافة إلى تفعيل دورها الإقليمي بوصفه عنصرًا ردعيًا في مواجهة الضغوط الأميركية. وفي هذا الإطار، بات واضحًا أن إيران لا تتعاطى مع المواجهة بوصفها أزمة عابرة، بل كصراع طويل الأمد على الموقع والدور.

ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو مستوى التماسك الذي يبديه النظام الإيراني، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية. فالمؤسسات الأساسية للدولة، من رئاسة وحكومة وبرلمان وحرس ثوري، ما زالت تعمل ضمن منظومة منسجمة نسبيًا، قائمة على مركزية القرار وتماسك البنية السياسية. كما أن الخطاب الرسمي ينجح، إلى حدّ بعيد، في تحويل الصراع مع الولايات المتحدة إلى عنصر تعبئة داخلية، يُقدَّم بوصفه دفاعًا عن السيادة والكرامة الوطنية.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام مأزق استراتيجي. فهي من جهة غير قادرة على الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة لما تحمله من مخاطر إقليمية ودولية، ومن جهة أخرى لم تفلح أدوات العقوبات والضغوط في كسر الإرادة السياسية الإيرانية. هذا التوازن السلبي يدفع الطرفين إلى إدارة الصراع ضمن «سقف مضبوط»، تتخلله رسائل أمنية وسياسية، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

إن الواقع الحالي يشير إلى أن إيران نجحت في تحويل التحديات إلى عناصر قوة نسبية، مستفيدة من التحولات الدولية وتراجع الهيمنة الأميركية الأحادية. وفي ظل غياب رؤية أميركية واضحة للحل، واستمرار الرهان على الضغط بدل التسوية المتوازنة، يبدو أن تماسك النظام الإيراني سيبقى عنصرًا حاسمًا في رسم معادلات المرحلة المقبلة، ليس داخل إيران فحسب، بل في مجمل الإقليم.

إيران وخيارات الردّ: كلفة أي مواجهة أميركية
في حال تعرّضت إيران لهجوم أميركي مباشر، فإن خيارات الردّ لن تكون تقليدية أو محصورة بالجبهة العسكرية المباشرة. تمتلك طهران شبكة واسعة من أدوات الردع، تبدأ بالقدرات الصاروخية القادرة على استهداف قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، ولا تنتهي عند توظيف حلفائها الإقليميين لفتح جبهات ضغط متعدّدة. كما يمكن لإيران التأثير في أمن الملاحة الدولية، ولا سيما في مضيق هرمز، ما ينعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية. سياسيًا، ستسعى طهران إلى استثمار أي مواجهة لتعزيز تماسكها الداخلي وتوسيع هامش التعاطف الدولي معها، ما يجعل أي هجوم عليها محفوفًا بتداعيات إقليمية ودولية واسعة.

الولايات المتحدةايران