العودة.. قدَر لبنان

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

الدولة الشقيقة، الدولة الجارة، الجغرافيا الحاضنة. تسميات يصح إطلاقها على لبنان وسوريا بحكم الموقع الجغرافي للبلدين وشكل امتداد الحدود الفاصلة بينهما بالإضافة الى تاريخ البلدين المشترك ما قبل الانتداب الفرنسي وما بعده على صعيد العلاقات الاقتصادية وانفتاح الجغرافيا اللبنانية على الشرق عبر الجغرافيا السورية وعلى صعيد الشراكة في مقاومة المحتل والرفض للهيمنة الخارجية والضرر الواقع على لبنان نتيجة تعرض سورية لحصار أميركي اقتصادي ما عُرف بقانون قيصر.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عبّر بأنهما “شعب واحد في دولتين”

في العام ١٩٧٥ اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية وبعد عام واحد من عمر الحرب دخل الجيش السوري إلى لبنان تحت غطاء الجامعة العربية بهدف وضع حد للحرب واعادة الهدوء والاستقرار للبنان.

رحب اليمين اللبناني من مسيحيين ومسلمين محافظين بهذه الخطوة. لكن بعد بسط الجيش السوري سيطرته على معظم مناطق لبنان، انتفض الموارنة اللبنانيون في وجه السوريين وأخرجوهم مما عُرف لاحقاً بالمنطقة الشرقية.

في العام ١٩٩١ وبعد أن كان لسوريا نفوذ كبير في لبنان، فرضت الأولى على لبنان معاهدة “الأخوة والتعاون والتنسيق” التي نصت على أن لا يكون لبنان مصدر قلق لسوريا وأعطت سورية مسؤولية حماية لبنان من أي اعتداء خارجي.

وبعيد تلك الفترة كان بعض المسؤولين اللبنانيين على علاقة مع الدولة السورية عبر ضباطها ورجالاتها مثل رستم غزالي وعبد الحليم خدام الذي كان يتمتع بدور ونفوذ بارزَيْن في الساحة اللبنانية منذ عام 1976، حين أُطلق عليه لقب “المبعوث السامي”، وهو صاحب المقولة الشهيرة، “لبنان، إمّا أن يكون مع سورية، وإمّا أن يعود إلى سورية”. كما ربطته علاقة متينة مع ما كان يُعرف بـ”الترويكا السياسية”، إلياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري، إضافةً إلى وليد جنبلاط. لكن على الرغم من ذلك، تميّزت علاقته مع الحريري، ويُقال إنّ الأخير أهداه قصر أوناسيس، بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس، وهو القصر الذي أقام فيه بعد انشقاقه وحتى وفاته.

في ١٤ آب ٢٠٠٥، كان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الرئيس الراحل رفيق الحريري، الحدث الذي سبقه تدهور في العلاقات اللبنانية السورية التي وإن كانت في الظاهر تنمّ عن شيء من السلبية في المواقف إلا أنها كانت قائمة على مصالح شخصية من الجهة اللبنانية ومصالح للدولة السورية من الجهة المقابلة.

هذا الحدث كان مفتاح إعلان العداء والبراءة لشريحة واسعة من اللبنانيين من الدولة السورية، والاتهام المباشر لسورية باغتيال الحريري، وفتح ملفات أخرى مثل المخطوفين اللبنانيين غير معروفي المصير في سجون سورية وغيرها.

في ١٥ تشرين الأول ٢٠٠٨ تم الإعلان رسمياً عن بدء العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسورية وذلك للمرة الاولى منذ استقلال البلدين قبل اكثر من ستين عامًا، بعد توقيع وزيري خارجية سورية ولبنان وليد المعلم وفوزي صلوخ بيانًا مشتركًا “باعلان بدء العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، البيان الذي أكد حرص الجانبين على توطيد وتعزيز العلاقات بينهما على اساس الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال كل منهما والمحافظة على العلاقات الاخوية المميزة بين البلدين الشقيقين.

وقد قال المعلم في مؤتمر صحفي بعد التوقيع إن “قرار اقامة علاقات دبلوماسية هو قرار سوري لبناني ينبع من مصلحة وإرادة الشعبين”، معبرًا عن أمله في “ان يكون تبادل التمثيل رمزًا ونافذة لتعزيز العلاقات الاخوية والتاريخية”.

وردًّا على سؤال عن امكان توجيه دعوة الى رئيس الحكومة اللبناني فؤاد السنيورة الذي ينتمي الى الاكثرية المناهضة لسورية، لزيارة دمشق، قال المعلم ان السنيورة “مرحب به والامر لا يحتاج الى دعوة واهلًا به في بيته وهو رئيس حكومة وحدة وطنية”.

وبعد الأحداث السورية التي بدأت عام ٢٠١١ والحرب الدائرة بين أطراف النزاع فيها ودخول التنظيمات الإرهابية وسيطرتها على مناطق سورية واسعة، المشروع المخطط له أميركيًا بعد أن كانت سورية عصيّة على الأميركيين رافضة لتطبيع علاقاتها مع” إسرائيل”، وبعد رفضها التخلي عن المقاومة، علماً بأن سورية تعتبر معقل المقاومة، ما كان لها إلا أن تكون في موقف دولي صعب، حيث فرضت عليها العقوبات وقُطعت معها العلاقات الدبلوماسية من دول عدة.

كل هذا لم يغيّر شيئاً بالنسبة لسورية وبقيت على موقفها المقاوم الرافض للهيمنة والمعارض للتطبيع.

الأحداث السورية التي كانت سبباً في نزوح عدد كببر من المواطنين السوريين إلى لبنان، والتي استدعت تدخلًا عسكريًا من حزب الله في سورية ما أدى إلى انقسام عمودي في السياسة اللبنانية، والحصار الأميركي على سورية التي تحد لبنان شمالاً وشرقاً، سورية الباب البري الوحيد للبنان الذي يغلق بابه الجنوبي المحاذي لـ”اسرائيل”، له آثار واضحة وتبعات سلبية وتأثيرات واضحة على الوضع الداخلي اللبناني، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا، الحصار الذي يطال لبنان بشكل واضح من خلال الضغط على حزب الله تارةً أو العبث في الداخل اللبناني من أجل تعزيز النفور من قبل اللبنانيين تجاه حزب الله، الحزب الذي بدوره يرفض بشدة الخضوع للأميركي بل أكثر من ذلك، فقد أصبح حزبًا في مواجهة صريحة للولايات المتحدة الأمريكية.

أما اليوم، وبعد حوالي ١٢ يوماً على إعلان امين عام حزب الله عن انطلاق سفن النفط من إيران إلى لبنان، تحرك الأميركيون بمساعٍ لاستجرار الطاقة للأراضي اللبنانية من مصر والأردن، استجرار الطاقة عبر سورية، سورية التي تملك قرارها، التي لا يقرر أي أحد عنها قبول أو رفض أي خطوة، وهذا ما عبّر عنه السيد حسن نصر الله حين تحدث قائلًا إن سورية حتمًا ستقبل بمساعدة لبنان وستسمح باستجرار الطاقة عبر أراضيها، لكن من المعيب أن لا يكون هناك تواصل وتنسيق بين الدولتين، مشيرًا بذلك إلى أنكم أيها اللبنانيون الذين تنتظرون قرارًا أميركيًا لاستجرار الطاقة إلى لبنان عليكم أن تقوموا بواجبكم كرجال دولة تجاه الدولة التي ستسمح لهذه الخطوة بأن تمر عبر أراضيها.
وهذا ما نشهده اليوم بعد الإعلان عن تشكيل وفد وزاري لزيارة دمشق، الوفد الموكل بإعادة تفعيل اتفاقية الغاز المصري، فمنذ أيام واللواء عباس ابراهيم يقوم بمساع من أجل التحضير للقاء سوري لبناني بالتنسيق مع السفير السوري علي عبد الكريم علي.
كما أعلن مسؤول سوري تأكيده أن “سورية كانت وستبقى إيجابية مع لبنان، وأن نية المساعدة موجودة، ولولا نقص الفيول والحصار الجائر لكانت سورية امّنت حاجة لبنان من الكهرباء، وهي أصلًا تعاني نقصًا في الطاقة، لهذه الأسباب لا صحة لما يتردد عن تضرر شبكات النقل والابراج الكهربائية وكل الأمور التقنية تسير بسلاسة”

هذه الزيارة تأتي لتكون الأولى الرسمية بين البلدين منذ العام ٢٠١١، على أمل أن ينظر اللبنانيون إلى سورية نظرة الدولة الشقيقة التي تشاركهم المسار والمصير.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد