أخلاقية الهزيمة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

الهزيمة اصطلاحًا تعني انكسارًا يعتري الخصم، نتيجة فشل أو خسارة أو ضرر نفسي أو قتل أو أسر وقع من الطرف الآخر.
وكلمة الهزيمة تبعث في النفس نوعًا من الضعف، حتى لو لم يكن للقارئ أو للمستمع علاقة بطرف من الطرفين، فكل واحد منّا على الأقل شعر ولو لمرة واحدة في حياته بانكسار معيّن يجعله مدركًا قلبيًّا، بقدر معيّن، لوقع الهزيمة التي وقعت على أحد الطرفين.

والهزيمة النفسية هي الأشد وطأة على المهزوم حيث إنها تحطمه من الداخل، ذلك أنها تحوّله من طرف بالحد الأدنى كان يسعى لتحقيق نصرٍ منشودٍ إلى طرف أصبح مستسلمًا، وهنا يكون قد وقع فريسة الفشل والخضوع لما آلت إليه أموره.

الحرب النفسية هي أحد أشكال الدعاية التي تستخدم للنيل من عزيمة الطرف الآخر وإدخال روح الهزيمة واليأس إلى فكره وأسلوب عيشه، مستخدمة التأثيرات العقلية والنفسية المختلفة، بهدف تدمير الروح المعنوية، وإخضاع الطرف الآخر للتعايش مع هزيمته وانتهاج منهجٍ حياتيٍّ جديد لديه، منهج عدم الإرادة، منهج التحول من المحاوِل إلى المستسلم، منهج الساعي إلى البحث عن بدائل في المواجهة.

يمكن تعريف الهزيمة النفسية بأها “يأس من إمكانية تحقيق أي عمل إيجابي”. وعندما نتحدث عن هزيمة نفسية، فنحن نتخطى صراع الطرفين إلى صراعٍ داخليٍّ في نفس الطرف المهزوم، حيث إن هذه الهزيمة صارت مغروسة في قلب المهزوم، صارت خارجة عن يد الطرف الأقوى والمنتصر وتحوّلت إلى قهر داخلي محصور في داخل الطرف المهزوم.

ومن الأمثلة الحيّة والواضحة التي يمكننا الاستفادة منها ودراستها بشكل عميق، تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان مع الكيان الإسرائيلي، حيث إن هذه المقاومة على مدى أربعين عاماً ألحقت هزائم متتالية بالجيش المعروف سابقاً بالجيش الذي لا يقهر، الجيش الذي تم دحره من الأراضي اللبنانية نتيجة عمليات عسكرية كبّدته خسائر بشرية ومادية مجبرة إياه على الانسحاب شيئاً فشيئاً من بيروت إلى ما وراء الشريط الحدودي حتى التحرير في ٢٥ أيار عام ٢٠٠٠، ثم الهزيمة المدوية التي ألحقتها به في حرب الـ٣٣ يوماً التي بدأت في ١٢ تموز ٢٠٠٦، ثم هزيمة المشروع الصهيو-أميركي في سوريا الذي كان يهدف إلى قطع شريان حياة المقاومة الممتد من إيران حتى لبنان عبر سيطرة تنظيمات ارهابية معادية أيديولجيًا لعقيدة هذه المقاومة على سوريا.

كل هذه الانتصارات ترافقت مع حملات حرب نفسية شنتها المقاومة على الداخل الإسرائيلي مستهدفةً بها كل من يحمل العقيدة الصهيونية من مستوطنين وجنود ومسؤولين، ما جعلهم يأخذون بالحسبان أي عمل قد يؤدي إلى حرب عسكرية مع حزب الله، أو يلجأون إلى مناشدة دولية لمنع حزب الله من رد عسكري، أو إلى هرب جماعي إلى الملاجئ عند مجرد استشعار أي خطر محتمل على المستوطنات في الشمال الفلسطيني. بل إن الخوف نفسه بات قاتلًا حيث إننا نسمع خبر مقتل مستوطن نتيجة وقوعه وهو يهرب إلى الملجأ أو مقتل مستوطنة نتيجة صدمة نفسية بعد سماع صوت صاروخ.

إلا أننا نجد البعض في الداخل اللبناني يرفض أن يشارك أبناء جلدته انتصاراتهم، فتارةً يسميها “انتصارات وهمية” وتارةً أخرى يسخر من شعاراتها، وتجدهم أحيانًا وبكل جرأة يتحدثون عن سبل لسحب سلاح المقاومة، أو عن حياد لبنان عن صراعات هو بغنى عنها. كيف لبلد في قلب الصراعات أن ينأى بنفسه عنها؟

تشعر وكأنهم لا يناسبهم أن يكون لهم ثقلهم بين القوى في المنطقة، أو أنهم يتلذذون بعيش دور الخاضع المهيمَن عليه، المنفّذ لرغبات ومصالح من يريد به شرًّا ويسعى كل السعي بكل ما أوتي من سبل لأن ينال شرف كسب رضا المستعمر عن أدائه في خدمة مصالح الاستعمار. بعض هؤلاء وقف يومًا في قلب بيروت وقال للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته لأماكن تضررت من انفجار المرفأ في ٤ آب ٢٠٢٠ : “سيدي الرئيس أرجوك انتدبنا”.

لا يمكن القول سوى أن هزيمة نفسية نكراء قد أصابت جزءًا من المكّون اللبناني الذي لا يمكنه أن يرى نفسه سوى تابع. والأخطر من هذا هو تبرير هذه المواقف، تبرير هذه الهزيمة النفسية، وهذا ما يسمى “أخلاقية الهزيمة”.

إن جميع الناس يبغضون الظلم بطبيعة الحال، ولكن ثمة فارق في التعبير عن هذا الرفض للظلم، فهناك من يكتفي برفض الظلم -نفسيًّا- وهناك من يترجم هذا الرفض إلى موقف. وهذا الموقف حتمًا يتطلب دفع ضريبة، ودفع هذه الضريبة هو ما يثقل كاهل الإنسان. فصاحب الموقف النفسي لا يغيّر مجرى التاريخ، أما صاحب الموقف العملي فيفعل، فصاحب الموقف هذا هو الذي يغيّر ويجدّد وينشّط حيوية الناس للمواجهة والصراع بين الحق والباطل.

إذاً، إذا بقي الإنسان يظلّل على نفسه ويتنكّر لنفسه مختلقًا الأعذار ومتهيّبًا المواجهة، فسيبقى في ضياع وخسارة كبيرة.
إذا بقي الإنسان مهادنًا لما يفعل به الشر والأشرار، فاقدًا لقيمة ذاته، سوف يجد نفسه دومًا منهوبًا تابعًا بلا قرار حتى تنتهي صلاحية استخدامه، حينها يُتخلّى عنه لمواجهة مصيره مع من كان عونًا عليهم يومًا ما.

قد ترجع هذه الأخلاقية الانهزامية إلى المسخ الحضاري في شخصية الأمة بعد الجهد التبليغي والإعلامي الذي بذله المستعمر في إرهاب الناس وإفسادهم بغرض السيطرة عليهم واستعمالهم، وإلى مسخ شخصية الناس حيث أصبحت ضمائرهم وإراداتهم في قبضة المستعمر يتحكم فيه بالطريقة التي تعجبه وتخدم مصالحه وأهدافه.

أمام هذه الحالة الانهزامية، لا بد أن يكون للإرادة والوعي والمواجهة والعزم أثر في الأمة، أثر في التفعيل، وأثر في الإقدام والمواجهة والوقوف أمام مشاريع الاستعمار الفارضة للتبعية. لكن كيف يتم هذا التفعيل وترك الأثر؟ يكون ذلك حينما يكون الواقع واضحًا في انعدام القيم والمبادئ وضياع الكرامة، وبعد توافر كل آليات الخطاب النهضوي، وحين يكون الرافض للهيمنة والاستعمار مستعدًّا للمواجهة مهما كلفته من أثمان.

إذًا، فالوعي والإرادة في المجتمعات من المفاهيم التي تلعب دورًا هامًّا في تحديد طبيعتها وفي تحديد نظرة المجتمعات والقوى الأخرى لها، إذا توافرت تجعل منها نموذجًا ساطعًا قويًا فارضًا نفسه على المتغيرات، وعندما تفتقدها تصبح أداة طيّعة سهلة بيد المستعمر لتحقق أطماعه بالشكل الذي يريده.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد