أول حرب ضد الذكاء الاصطناعي: الحرب الإيرانية تكشف عن سوء تقدير جيوسياسي في سباق التكنولوجيا العالمي

في الأول من آذار/ مارس، استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية مركزين تابعين لخدمات Amazon Web Services في الإمارات، فيما تضرر مركز ثالث في البحرين. تعطّلت تطبيقات مصرفية، وتجمّدت منصات الدفع، وبقيت خدمات سحابية في الخليج تعمل جزئيًا لأسابيع.

لطالما قدّمت صناعة التكنولوجيا “السحابة” بوصفها كيانًا بلا وزن، موزعًا، مرنًا، وعابرًا للحدود. لكن هذه الحرب أعادت تعريفها بالقوة: السحابة لها عنوان، وهذا العنوان يمكن استهدافه بطائرة مسيّرة لا يتجاوز ثمنها تكلفة سيارة مستعملة.

حتى الآن، جرى تناول الحرب الإيرانية ضمن إطار تقليدي: إغلاق مضيق هرمز، اضطراب تدفقات الطاقة، العمليات الجوية الأميركية-الإسرائيلية، والضربات الصاروخية الإيرانية. غير أن هذا الإطار يغفل طبقة أعمق من الصراع: المعركة على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية في المنطقة.

ما حدث في الخليج لم يكن مجرد نزاع إقليمي أضرّ بالاقتصاد الرقمي، بل كشف عن خطأ استراتيجي سابق للحرب: الاعتقاد بأن أكثر الممرات الجيوسياسية توترًا في العالم مكان مناسب لبناء العمود الفقري لعصر الذكاء الاصطناعي. كان الرهان أن رأس المال يمكن أن يعوّض المخاطر، لكنه تجاهل حقيقة أبسط: الجغرافيا لا تُشترى.

عندما اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترامب جولته في الشرق الأوسط في أيار/ مايو 2025، بدت الطموحات غير مسبوقة: تعهدات استثمارية تجاوزت تريليوني دولار من السعودية وقطر والإمارات، مع تخصيص جزء كبير منها للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. مشروع “ستارغيت الإمارات” جمع بين OpenAI وNvidia وشركة G42، بهدف إنشاء أكبر مجمّع ذكاء اصطناعي خارج الولايات المتحدة. كما التزمت Amazon باستثمارات ضخمة في الرياض، فيما أعلنت Microsoft استثمارات كبيرة في الإمارات. وكان الطموح أن يصبح الخليج القطب الثالث عالميًا في بنية الذكاء الاصطناعي إلى جانب الولايات المتحدة والصين.

من الناحية الاقتصادية، بدت المعادلة منطقية: صناديق سيادية بقدرات تمويل هائلة، طاقة وفيرة، وموقع استراتيجي يربط الجنوب العالمي، إلى جانب رغبة سياسية في الاندماج ضمن النظام التكنولوجي الأميركي. لكن هذا “المنطق الاقتصادي” كان في جوهره رهانًا جيوسياسيًا على أن المال والتحالفات والضمانات الأمنية الأميركية يمكن أن تعوّض التعرض البنيوي للمخاطر.

تعزز هذا التوجه عبر مبادرات تكنولوجية ربطت الخليج بالمعسكر الأميركي في مواجهة الصين، خصوصًا عبر تقييد وصول بكين إلى أشباه الموصلات المتقدمة. شركات ومشاريع إقليمية التزمت بالتخلي عن المعدات الصينية، كما فعلت G42 بقطع علاقاتها مع Huawei. وهكذا لم تعد بنية الذكاء الاصطناعي في الخليج مجرد استثمار تجاري، بل تحولت إلى جزء من خط المواجهة في الصراع الأميركي-الصين، وهو ما جعلها هدفًا مباشرًا.

في نيسان/ أبريل 2025، صاغ المدير التنفيذي السابق لـGoogle إريك شميدت منطق الصراع بوضوح لافت: إذا عجز الخصم عن تقليص الفجوة التكنولوجية عبر التجسس أو التخريب، فإن الخيار يصبح “الضربة الاستباقية”، أي قصف مراكز البيانات. لم تكن هذه فرضيات نظرية، بل نقاشات فعلية بين قوى نووية.

غير أن الحرب الإيرانية كشفت ما هو أكثر إزعاجًا: قوة إقليمية خاضعة للعقوبات، تعتمد على طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة الكلفة، استطاعت تطبيق هذا المنطق بكلفة أقل بكثير مما كان متوقعًا.

ثمة بُعد آخر لم يُفهم بالكامل بعد في التحليلات الغربية. تشير تقارير إلى أن إيران استفادت من نظام الملاحة الصيني BeiDou، الذي يوفر إشارات دقيقة يصعب التشويش عليها مقارنة بنظام GPS الأميركي. كما نشرت شركات أقمار صناعية صينية صورًا عالية الدقة للانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، ما وفر -بحسب توصيف محللين- “بيانات استهداف مجانية”. لم تطلق بكين صواريخ، لكنها قدّمت الإحداثيات.

بهذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد صراع إقليمي، بل مواجهة غير مباشرة على السيطرة على بنية الذكاء الاصطناعي. فالصين لا تحتاج لضرب مراكز البيانات المرتبطة بالولايات المتحدة مباشرة إذا كان بإمكان حليف مثل إيران القيام بذلك بكلفة أقل ومخاطر سياسية أقل.

كما كشفت الحرب عن مأزق هيكلي في سياسات “توطين البيانات”، حيث فرضت دول المنطقة استضافة البيانات الحساسة داخل حدودها. هذا الشرط جذب الاستثمارات، لكنه قيّد المرونة الجغرافية. وهنا اصطدمت القواعد التنظيمية بالواقع الجيوسياسي: الخليج ليس مجرد عقدة اتصال، بل ساحة صراع تاريخية، حيث تتحول البنية التحتية الثابتة إلى أهداف سهلة، حتى مع وجود أنظمة دفاع جوي متطورة.

نتائج هذه الضربات بدأت بالفعل بإعادة رسم خريطة استثمارات الذكاء الاصطناعي عالميًا. ففكرة مراكز البيانات الفضائية، التي كانت تبدو مكلفة وغير عملية، أصبحت اليوم خيارًا استراتيجيًا. فقد أظهرت الضربات أن منشأة بمليارات الدولارات يمكن تعطيلها بأداة زهيدة، فيما كشف إغلاق مضيق هرمز هشاشة إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها هذه المنشآت.

هذا التهديد المزدوج -قابلية الاستهداف من الأعلى، وهشاشة الطاقة من الأسفل- يعزز فكرة نقل البنية التحتية إلى الفضاء، ليس كخيار مستقبلي بل كضرورة استراتيجية. وفي هذا السياق، تتحرك شركات مثل SpaceX بسرعة، بالتوازي مع مهام فضائية مثل Artemis II، في مؤشر على أن سباق الفضاء الجديد قد بدأ بالفعل.

ورغم أن الخليج قد يظل وجهة للاستثمارات بفضل موارده وموقعه، فإن حسابات المخاطر تغيّرت جذريًا. فقد ارتفعت تكاليف التأمين على مراكز البيانات بشكل حاد، وبات السؤال الأساسي ليس التمويل، بل القدرة على البقاء.

التاريخ يقدّم نمطًا واضحًا: في الحروب، تُستهدف دائمًا البنية التحتية التي تمنح الخصم تفوقًا حاسمًا، من كابلات التلغراف في الحرب العالمية الأولى، إلى المصانع في الثانية، إلى منشآت النفط والهجمات السيبرانية لاحقًا. الجديد اليوم أن هذه البنية هي “قدرات الحوسبة للذكاء الاصطناعي”.

لقد افترضت استثمارات الخليج أن هذا المنطق لم يعد قائمًا، وأن التكنولوجيا قادرة على تجاوز الجغرافيا. لكن الحرب أثبتت العكس: البنية التحتية تتبع الجغرافيا، والجغرافيا تتبع التاريخ، وفي الخليج، كان التاريخ واضحًا دائمًا بشأن المخاطر.

المرحلة المقبلة من سباق الذكاء الاصطناعي ستدور على جبهتين: على الأرض، حيث السؤال هو أين يمكن حماية هذه الأصول، وفي الفضاء، حيث السؤال هو ما إذا كان يمكن إخراجها من دائرة الخطر أصلًا. لا توجد إجابات نهائية بعد، لكن المؤكد أن الحرب الإيرانية جعلت هذه الأسئلة عاجلة لكل القوى التي تدرك حجم الرهان.

حميد دهوئي وأراش رئيسي نجاد – فورين بوليسي
ترجمة موقع الناشر
https://foreignpolicy.com/2026/04/10/war-ai-gulf-uae-saudi-qatar-iran/

الذكاء الاصطناعيايران