نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 6 إبريل 2026 مقال رأي أثار ضجة كبيرة عند نشره بعنوان: “الحرب تحوّل إيران إلى قوة عالمية عظمى” للدكتور روبرت أ. بايب Robert Pape، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وهو المتخصص في الاستراتيجيات العسكرية والأمن الدولي ويتناول في أعماله قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، وقدم الإستشارات لجميع الإدارات الأمريكية على مدى العشرين عامًا الماضية. يرى الدكتور بايب أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لا تُغيّر وجه المنطقة فحسب، بل إنها تحول طهران إلى قوة عالمية مؤثرة عبر إحكام سيطرتها على أهم نقطةممر مفصلية للطاقة والبضائع الحيوية، وهي مضيق هرمز.
وقد جاء المقال على النحو التالي:
كان الاعتقاد الجيوسياسي التقليدي السائد في السنوات الأخيرة أن النظام العالمي يتجه نحو الاستناد على ثلاثة مراكز للقوة، وهي: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا. ، حيث يفترض هذا الرأي أن القوة تكون مستمدة بالأساس من الثقل الاقتصادي والقدرة العسكرية.
ولكن هذا الافتراض لم يعد صحيحاً، حيث يبرز مركز قوة عالمي رابع بسرعة – وهو إيران. وعلى الرغم من أنها لا تُضاهي تلك الدول الثلاث اقتصادياً أو عسكرياً، إلا أن قوتها الجديدة إنما تستمدها من إحكام سيطرتها على أهم نقطة مفصلية لمرور الطاقة في الاقتصاد العالمي، وهيو مضيق هرمز.
ولطالما كان المضيق ممراً مائياً دولياً تعبره السفن من جميع الدول. ، إلا أن الحملة العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هذا العام دفعت إيران إلى فرض حصار عسكري انتقائي على المضيق.
ويمر عبر المضيق ما يقارب خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. ولا توجد بدائل حقيقية لطرق الإمداد هذه في المدى القريب. وإذا استمرت السيطرة الإيرانية على المضيق لأشهر أو سنوات، كما أعتقد، فسوف يُعيد ذلك تشكيل النظام العالمي بشكل جذري، وهو الأمر الذي سيضر حتماً بالولايات المتحدة.
ويعتقد العديد من المحللين أن سيطرة إيران على مضيق هرمز هي أمر مؤقت. ويسود اعتقاد واسع النطاق بأن القوات البحرية الأمريكية وحلفاءها ستعمل على إعادة استقرار الأوضاع قريباً، وأن تدفقات النفط ستعود إلى طبيعتها.
لكن هذا الاعتقاد خاطئ، إذ يَفترض أن استمرار سيطرة إيران على المضيق يتطلب إغلاقه فعلياً. ولكن كما رأينا بأعيننا، فإنه يمكن السيطرة على المضيق دون إغلاقه. ، فالمضيق لا يزال حالياً مفتوحاً أمام ناقلات النفط. ومع ذلك، فقد انخفضت حركة الملاحة عبر المضيق بأكثر من 90% منذ بداية الحرب، ليس لأن إيران تُغرق كل سفينة تدخل المضيق، بل لأن شركات التأمين سحبت أو أعادت تسعير تغطية مخاطر الحرب – نظراً للتهديد الحقيقي بشن هجمات. وكان استهداف سفينة شحن كل بضعة أيام كافياً لجعل المخاطرة غير مقبولة.
ولا تقتصر احتياجات الاقتصادات الحديثة على تدفق النفط فحسب، بل تتطلب أيضاً توريده في الوقت المحدد، وبكميات كبيرة، وبمخاطر يمكن التنبؤ بها. وعندما ينهار هذا الاستقرار، تضيق أسواق التأمين، وترتفع أسعار الشحن، وتبدأ الحكومات في النظر إلى سبل الحصول على الطاقة كتحدٍ استراتيجي معقد بدلاً من كونه مجرد معاملة سوقية بسيطة.
وتكمن مشكلة الولايات المتحدة في عدم التوازن. فحماية كل شحنة نفطية تعبر مضيق هرمز من الهجمات المحتملة – كالألغام والطائرات المسيرة والصواريخ – إنما هي عملية مستمرة تتطلب وجوداً عسكرياً دائماً في المنطقة. ويكفي أن تضرب إيران ناقلة نفط بين الحين والآخر لتشكك في موثوقية شحنات النفط العالمية.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأمر يوم الخميس الماضي حين صرّح بأن فتح مضيق هرمز بالقوة أمر “غير واقعي”، وأن “هذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بالتنسيق مع إيران”. وكان بذلك يُقرّ ضمنياً بأن تدفق النفط لا يمكن ضمانه دون موافقة إيران.
وعلى مدى عقود، ساد الخليج العربي نظام بسيط، هو: يُصدّر منتجو النفط نفطهم، وتُحدِّد الأسواق الأسعار، وتُؤمّن الولايات المتحدة الممر المائي. وقد سمح هذا النظام بالتنافس دون زعزعة الاستقرار. أما الآن، فهو آخذ في الانهيار.
وتعتمد دول الخليج اعتماداً كبيراً على صادرات الطاقة كمصدر رئيسي للدخل. وعندما ترتفع أسعار التأمين ويصبح الشحن غير مستقر، يكون الأثر المالي لذلك فورياً. ، فتقوم الحكومات بتعديل أوضاعها، ويُعاد توجيه الشحنات، كما يُعاد التفاوض على العقود من جديد.
وإذا استمرت حالة عدم اليقين، فسيتغير الوضع الخليجي حتماً، ليحل محله نظام إقليمي مختلف، نظامٌ تُبدي فيه دول الخليج مزيداً من التجاوب مع الجهة الفاعلة التي تستطيع التأثير بشكل مباشر على موثوقية صادراتها، وهي إيران حالياً.
وستكون التداعيات العالمية أشدّ وضوحاً في نطاق قارة آسيا. فاليابان وكوريا الجنوبية والهند كلها تعتمد اعتماداً كبيراً على مصادر الطاقة القادمة من دول الخليج. كما تعتمد الصين أيضاً، رغم تنوّع مصادرها (من الطاقة)، على المنطقة في جزء كبير من وارداتها من الطاقة. وتكمن تلك التبعيات في بنية تحتية معقدة – مصافي النفط، وخطوط الشحن، وأنظمة التخزين – يصعب إعادة تهيئتها بسرعة.
وإذا استمرّ انقطاع إمدادات الطاقة، فستكون آثاره واسعة النطاق. فارتفاع تكاليف التأمين والشحن سيؤدي حتماً إلى رفع الأسعار، وسيؤدي كذلك إلى تدهور الموازين التجارية، وضعف العملات، وارتفاع التضخم، وسيبدأ الاعتماد على الطاقة في التأثير على السياسات، وستعطي الحكومات الأولوية لتوفير الطاقة، وستتقلص الخيارات الدبلوماسية، وستصبح الإجراءات التي تُنذر بمزيد من عدم الاستقرار أكثر صعوبة في الاستمرار. ولن يكون عالم السبعينيات، الذي أدت فيه صدمات النفط إلى سنوات من الركود التضخمي، مجرد ذكرى بعيدة، بل أصبح واقعاً يقترب.
ومرة أخرى، ستستفيد إيران من هذه الأوضاع. فبينما تعتمد الصين على الطاقة القادمة من الخليج لدعم نموها، وتستفيد روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبها، فإن إيران تكتسب نفوذاً من موقعها الاستراتيجي عند مضيق هرمز.
ولكل من هذه الدول الثلاث (الصين، روسيا، إيران) دوافع تتعارض مع الاستقرار الاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها. ولا تحتاج هذه الدول الثلاث إلى تنسيق رسمي فيما بينها، فبنية النظام تدفعها في الاتجاه نفسه. وهكذا ينشأ نظام جديد، ليس عبر تحالف رسمي (على الأقل في البداية)، بل من خلال تقارب الدوافع التي يُعزز بعضُها بعضاً بمرور الوقت.
وهناك سيناريوهات أخرى محتملة في النظام العالمي الجديد الناشئ، وهي أكثر قتامة. ولك أن تتخيّل أن إيران تسيطر على نحو 20% من نفط العالم، وروسيا على نحو 11%، والصين قادرة على استيعاب جزء كبير من هذا الإنتاج. ، فسيشكلون حتماً كارتلاً لحرمان الغرب من 30% من نفط العالم. ولا تحتاج إلى تحليل معقَّد لإدراك العواقب الكارثية لذلك، من: تراجع حاد في نفوذ الولايات المتحدة وأوروبا، وتحوّل عالمي نحو الصين وروسيا وإيران.
إن الولايات المتحدة تواجه خياراً صعباً؛: فإما الالتزام بجهد طويل الأمد لإعادة بسط سيطرتها على مضيق هرمز، أو قبول ترتيب عالمي جديد للطاقة لا تضمن فيه الولايات المتحدة سيطرتها عليه.
وإذا اختارت إيران الولايات المتحدة القبول بالأمر، فالنتيجة واضحة: سيُعاد تنظيم النظام الدولي مع إيران كمركز رابع للقوة العالمية. أما إذا اختارت الولايات المتحدة إعادة فرض سيطرتها العسكرية، فإنها ستخوض معركة طويلة، قد تخسرها.
إن الحرب مع إيران ليست مجرد صراع عسكري يمكن للولايات المتحدة الانسحاب منه ببساطة، والعودة إلى ما كانت عليه سابقاً. فمن المؤكد أن إيران ستطالب بثمن باهظ في أي تسوية جديدة مع الولايات المتحدة، لكن هذا الثمن سيكون بالتأكيد أقل من ثمن المستقبل البديل. إنها حرب تحوّلية، وإذا استمرت هذه التغييرات لبضع سنوات فقط، فسيتغير النظام العالمي بشكل لا رجعة فيه.
المعهد المصري للدراسات