السيناريوهات الأربعة: إلى أين تتجه معادلة “خرج” في الصراع الأمريكي-الإيراني؟

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز جزيرة خرج بوصفها إحدى أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في الخليج العربي، فبالرغم من صغر مساحتها الجغرافية التي لا تتجاوز 22 كيلومترًا مربعًا، إلا أنها تمثل مركز الثقل الحقيقي لمنظومة تصدير النفط الإيرانية، حيث تمر عبرها النسبة الغالبة من الصادرات النفطية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، ومن ثم فإن أي حديث عن استهداف أو استيلاء على الجزيرة لا يمكن فصله عن تداعياته الاقتصادية والعسكرية والإقليمية الواسعة، الأمر الذي يجعلها في قلب معادلة الردع بين واشنطن وطهران.

أهمية جيو-اقتصادية واستراتيجية:

تعتبر جزيرة خرج بمثابة “العصب الرئيسي” لصادرات الطاقة الإيرانية، إذ تتحكم بحوالي 90% من صادرات النفط الخام، وتبلغ مساحتها نحو 20 كلم² على بعد 25 كلم من الساحل الإيراني، وتضم ميناء ومحطة لتوليد الطاقة بالغاز وأرصفة بحرية على شكل T لتسهيل شحن النفط واستكشافه، وتبلغ القدرة على تحميل النفط نحو 7 ملايين برميل يومياً، مع قدرة استقبال 8 ناقلات ضخمة، وسعة تخزين حالية تصل إلى 18 مليون برميل، وسعة إجمالية للمخازن تصل إلى 30 مليون برميل، وتقوم الجزيرة بنقل نحو 1.55 مليون برميل يومياً، ما يولد عائدات سنوية تقدر بين 50 و78 مليار دولار.

كما تكمن أهمية الجزيرة في كونها منظومة متكاملة تشمل خزانات ضخمة ومرافق معالجة مرتبطة بثلاثة حقول بحرية رئيسية هي أبو ذر وفورزان ودورود، وتعمل هذه المنظومة عبر شبكة خطوط أنابيب بحرية تنقل الخام من الحقول إلى الجزيرة حيث يتم معالجته وتخزينه قبل التصدير، ويزداد حساسية موقع الجزيرة لقربها من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة الدولية واستقرار سلاسل الإمداد.

دوافع وخيارات “واشنطن”:

تمثل جزيرة خرج هدفاً استراتيجياً محتملاً في إطار أدوات الضغط على إيران، نظراً لاعتماد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على عائدات النفط التي تمر عبر هذه الجزيرة، ومن هذا المنطلق فإن تعطيلها أو السيطرة عليها قد يؤدي إلى إضعاف القدرة المالية للدولة الإيرانية بشكل مباشر، وتشير بعض التوجهات السياسية والعسكرية المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى طرح خيارات عسكرية محتملة قد تشمل ضرب الجزيرة أو محاولة السيطرة عليها، في سياق الضغط على إيران فيما يتعلق بملفات إقليمية وأمنية، وعلى رأسها حرية الملاحة في مضيق هرمز.

غير أن هذه الخيارات تصطدم بعقبات عملية كبيرة، إذ تتطلب عملية السيطرة على الجزيرة حشد قوة عسكرية كبيرة تشمل قوات بحرية وجوية وبرية، مع دعم استخباراتي ولوجستي متقدم، كما أن البيئة الدفاعية الإيرانية المحيطة بالجزيرة بما فيها من أنظمة دفاع جوي وتحصينات عسكرية تجعل أي عملية من هذا النوع عالية التكلفة ومعقدة التنفيذ، بجانب احتمالية تكبد خسائر بشرية كبيرة.

تداعيات متنوعة:

أي استهداف لجزيرة خرج لا يقتصر تأثيره على إيران وحدها، بل يمتد ليشمل أسواق الطاقة العالمية، فإيران تعتبر ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، بإنتاج يقارب 3.3 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات والسوائل الأخرى، وهو ما يمثل نحو 4.5% من الإمدادات العالمية، حيث يتوقع الاقتصاديون ارتفاع أسعار النفط فورياً لتتجاوز 120 دولاراً للبرميل، وقد تصل إلى 160 دولاراً إذا امتد النزاع ليشمل إغلاق مضيق هرمز بالكامل، وبما أن الصين تمثل أكبر مشتري لنفط خرج عبر قنوات غير رسمية أحياناً، فإن توقف الإمدادات سيجبر بكين على سحب مخزوناتها الاستراتيجية أو ممارسة ضغوط دولية لتهدئة الأزمة.

وتستمر أهمية خرج في كونها تشكل شريان الحياة للاقتصاد الإيراني تحت العقوبات، حيث يعتمد أكثر من 60% من دخل العملة الصعبة على الشحنات التي تخرج من أرصفة الجزيرة، ومع سعة تخزين تصل إلى 28–30 مليون برميل، فإن أي ضرب للصهاريج سيؤدي إلى فقدان مخزون استراتيجي هائل، لا يمكن تعويضه إلا بعد سنوات من إعادة الإعمار، وهو ما يجعل أي عمل عسكري مباشر على الجزيرة محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية الكبيرة.

كما يزداد التعقيد عند النظر إلى الأبعاد الإقليمية، إذ يمكن أن تتعرض حقول النفط والغاز في الدول المجاورة لهجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، خاصة في ظل التحذيرات الإيرانية، والتي نقلتها وكالة «تسنيم» شبه الرسمية، بفتح جبهات إضافية كمفاجأة للأمريكيين، بحيث لا يحقق احتلال الجزيرة أي مكاسب، بل ستتضاعف التكاليف، كما أضاف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن أي محاولة لاحتلال الجزيرة ستقابل برد عسكري واسع يستهدف كافة البنى التحتية الحيوية للدول المتآمرة مع أمريكا وإسرائيل.

ولذلك تتزايد المخاطر بشكل أكبر إذا ما اعتُبرت تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب كجزء من الرد الإيراني بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، إذ ستؤدي هذه الخطوة إلى قفزة كبيرة في أسعار النفط قد تتجاوز حاجز 200 دولار للبرميل، ما ينعكس على اضطراب شامل في سلاسل الإمداد العالمية وتوقف تدفق الطاقة والسلع بين الشرق والغرب، وهو ما يضع المنطقة والعالم أمام سيناريوهات اقتصادية وأمنية خطيرة.

استعدادات إيران:

في مواجهة التهديدات المحتملة، عملت إيران على تعزيز قدراتها الدفاعية حول جزيرة خرج بشكل ملحوظ، وتشمل هذه الاستعدادات نشر أنظمة دفاع جوي متقدمة، وزيادة الوجود العسكري، وتأمين المنشآت النفطية الحيوية، كما تشير تقارير إلى استخدام وسائل دفاعية إضافية مثل الألغام البحرية والبرية، بهدف تعقيد أي محاولة إنزال عسكري أو هجوم مباشر.

وتتبنى إيران كذلك استراتيجية “الرد غير المتكافئ”، والتي تعتمد على استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لاستهداف القوات أو المصالح المعادية في حال وقوع هجوم، بالإضافة إلى ذلك تعد القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي يمكن استخدامها للرد على أي تصعيد.

كما تتولى القوة البحرية للحرس الثوري تأمين المياه المحيطة بالجزيرة باستخدام تكتيكات غير متماثلة، مثل الزوارق السريعة، خصوصا وأن الجزيرة هي مقر لواء ذو الفقار البحري، الذي يمتلك مئات الزوارق السريعة الانتحارية أو المزودة بصواريخ مضادة للسفن، هذه الزوارق يصعب رصدها بالرادار لصغر حجمها، وتستطيع مهاجمة السفن الكبيرة في أسراب تشتت الأنظمة الدفاعية، كما أن المنطقة المحيطة بخرج تعد من أكثر المناطق كثافة بالألغام البحرية الذكية والتقليدية، وهذا بلا شك يعيق اقتراب السفن البرمائية الضخمة التي تحمل قوات المارينز.

وحماية محيط الجزيرة بأنظمة دفاعية بعيدة المدى مثل منظومة باور 373 الإيرانية وإس 300 الروسية والمتمركزة في بوشهر والبر الرئيسي، والتي توفر غطاء بعيدا يمنع الطائرات من التحليق بحرية فوق الجزيرة، بجانب داخل الجزيرة نفسها توجد أنظمة قصيرة ومتوسطة المدى مثل سوم خرداد ومرصاد، بالإضافة إلى صواريخ أرض جو محمولة على الكتف مخبأة في خنادق محصنة لاستهداف المروحيات وقوات الإنزال الجوي، تمتلك خرج قواعد لإطلاق الطائرات المسيرة مثل شاهد 136، والتي تعمل كمدفعية طائرة، وفي حال محاولة اجتياحها بريا، يمكن لهذه الدرونز استهداف السفن والمعدات الأمريكية المتمركزة في الموانئ القريبة في الدول المجاورة أو السفن في عرض البحر، ما يعني توسيع دائرة الصراع وجعل احتلال الجزيرة فتيلا لحرب إقليمية شاملة.

وقد أكد عدد من القيادات الإيرانية، من بينهم محمد باقر قاليباف، أن أي محاولة لاحتلال جزر إيرانية ستقابل برد عسكري واسع، ما يعكس مستوى الجاهزية والالتزام بالدفاع عن هذه المنطقة الحيوية، حيث تشير التقديرات إلى احتمال تكبد القوات الأمريكية خسائر بشرية مرتفعة، في ظل ما تتمتع به الجزيرة من دفاعات متعددة الطبقات، ولذلك فقد عززت إيران وجودها العسكري عبر نشر أنظمة صواريخ محمولة على الكتف (MANPADS)، والتي تعد فعالة في استهداف الطائرات منخفضة الارتفاع، بما يحد من حرية الحركة الجوية الداعمة لأي عملية إنزال محتملة، كما قامت بتكثيف إجراءاتها الدفاعية من خلال زرع ألغام مضادة للأفراد والدروع في محيط الجزيرة، بما في ذلك المناطق الساحلية التي قد تستخدم كنقاط إنزال برمائي، الأمر الذي يزيد من تعقيد تنفيذ أي عملية عسكرية مباشرة.

السيناريوهات الأربعة:

يمكن تصور عدة سيناريوهات رئيسية للتعامل مع جزيرة خرج، تختلف من حيث مستوى التصعيد والنتائج المتوقعة:

(-) السيناريو الأول،- التدخل العسكري المباشر (الإنزال والسيطرة): يتضمن هذا السيناريو تنفيذ عملية عسكرية شاملة تشمل إنزال قوات برية مدعومة بغطاء جوي وبحري للسيطرة على الجزيرة، ويتطلب هذا السيناريو حشد آلاف الجنود، إلى جانب وحدات من مشاة البحرية وقوات خاصة، مع دعم من الأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة، لكن هذا الخيار يعد الأعلى تكلفة من حيث الخسائر البشرية والمادية، نظراً للتحصينات الدفاعية الإيرانية، واحتمالية تعرض القوات المهاجمة لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة، كما أن نجاح هذا السيناريو ليس مضموناً، وقد يتحول إلى مواجهة طويلة الأمد أو استنزاف عسكري.

(-) السيناريو الثاني،- ضربات تنتهي عند إضعاف القدرات الدفاعية: يقوم هذا السيناريو على تنفيذ ضربات جوية أو صاروخية تستهدف البنية التحتية العسكرية أو بعض المنشآت الحيوية في الجزيرة دون محاولة احتلالها، ويهدف هذا الخيار إلى إضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية أو فرض ضغط سياسي، ورغم أنه أقل تكلفة من التدخل البري، إلا أنه قد يؤدي إلى ردود فعل إيرانية تصعيدية تشمل استهداف مصالح أمريكية أو حلفاء في المنطقة، بالإضافة إلى احتمال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

(-) السيناريو الثالث،- الحصار البحري أو الجوي: في هذا السيناريو يتم فرض طوق بحري أو جوي حول الجزيرة بهدف خنقها اقتصادياً وتعطيل حركة الشحن دون الدخول في مواجهة مباشرة، ويعد هذا الخيار أقل تصعيداً مقارنة بالسيناريوهات العسكرية الأخرى، لكنه قد يستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق نتائج ملموسة، كما أن هذا الخيار قد يواجه تحديات قانونية ودولية، بجانب احتمالية مقاومته من قبل إيران عبر استخدام وسائل غير تقليدية لتعطيل الحصار أو الرد عليه.

(-) السيناريو الرابع،- الردع دون مواجهة مباشرة: يتمثل في الاكتفاء بزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية دون اللجوء إلى عمل عسكري مباشر، ويعتمد هذا السيناريو على استخدام العقوبات والتهديدات والوجود العسكري كوسائل ردع، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات دون الدخول في حرب مفتوحة.

في النهاية، يمكن القول تمثل جزيرة خرج نقطة استراتيجية بالغة الحساسية في معادلة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فبينما تبدو السيطرة عليها خياراً مغرياً من منظور الضغط الاقتصادي والعسكري، إلا أن تعقيدات البيئة الميدانية واحتمالات التصعيد الإقليمي والدولي تجعل هذا الخيار محفوفاً بالمخاطر، وفي المقابل تظهر إيران استعداداً دفاعياً واضحاً يعكس إدراكها العميق لأهمية الجزيرة، ليس فقط كمنشأة اقتصادية بل كعنصر أساسي في منظومة الردع الإقليمي، وبناء عليه تظل جزيرة خرج ساحة توازن دقيقة بين احتمالات التصعيد وحدود الردع أكثر منها هدفاً يمكن حسمه بسهولة عبر القوة العسكرية المباشرة.

مصطفى محمد عبد العظيم – مركز رع

ايرانترامبجزيرة خرج