ماذا سيحدث لكوكب الأرض لو أصبح كل البشر «نباتيين»؟

«عذرًا أنا نباتي»؛ هل سمعت تلك الجملة من قبل بعد أن عرضت على أحدهم وجبة تحتوي على أي نوع من أنواع اللحوم؟ اللجوء للنظام الغذائي النباتي أصبح ظاهرة متواجدة في العديد من البلدان العربية، البعض منهم يحتفظ بهذا التوجه بوصفه وجهة نظر شخصية لأسلوب الحياة الذي يود أن يعيشه، بينما يروج البعض الآخر لتلك الأنظمة الغذائية ويدعو لها بشكل متطرف أيضًا.

وهنا سؤال يطرح نفسه؛ هل بالفعل النباتية أفضل للبشر؟ وإذا كانت أفضل لصحة البشر، فالسؤال المهم الذي يجب طرحه، هل من مصلحة كوكب الأرض أن يتحول كل البشر إلى النظام الغذائي النباتي؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

تحوُّل فرد للنباتية يقلل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 3%
يتبع الإنسان النظام الغذائي النباتي لأكثر من سبب، قد يكون أحد الأسباب هو تعاطفه النفسي مع الحيوانات، وعدم الرغبة في قتلهم، بينما قد يتحول شخص آخر للنباتية لا لغرض سوى اتباع حمية غذائية أكثر صحية، وهناك من يرى أن هناك هدف أسمى من مصلحة الحيوان أو الإنسان، وهي مصلحة الكوكب الذي يحمل الاثنين من بين كائنات أخرى؛ إذ إن اتباع النباتية قد يكون له دور في تقليل مستوى انبعاثات الكربون والغازات السامة في الغلاف الجوي.

في دراسة نُشرت في عام 2012 تحت عنوان «Impact of a reduced red and processed meat dietary pattern on disease risks and greenhouse gas emissions in the UK: a modelling study» أو «تأثير النمط الغذائي الذي يعتمد بنسبة أقل على اللحوم الحمراء وتصنيعها، على مخاطر الأمراض وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في المملكة المتحدة: دراسة نموذجية»؛ ثبت أن اختيار النباتية نظامًا غذائيًّا، له القدرة على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفرد بنسبة 3%.

بينما في دراسة أخرى نُشرت عام 2018 تحت عنوان «Impact of current, National Dietary Guidelines and alternative diets on greenhouse gas emissions in Argentina» أو «الأنظمة الغذائية البديلة الحالية على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الأرجنتين»؛ جاءت نسبة تقليل الانباعاثات الحرارية بسبب تحول البعض إلى النباتية لنسبة قد تصل إلى 30%.

النباتية قد تقلل الاحتباس الحراري ولكن
في عام 2016 أجرى فريق بحثي من مركز كولومبيا الدولي للزراعة الاستوائية دراسة بعنوان «Analysis and valuation of the health and climate change cobenefits of dietary change» أو «تحليل وتقييم الفوائد الصحية والمناخية من تغير النظام الغذائي»، وأوضحوا نموذجًا للنتائج التي قد تحدث لكوكب الأرض إذا تحول كل البشر للنباتية من عام الدراسة- 2016- وحتى عام 2050.

وبعد أن أجروا العديد من الأبحاث واضعين احتمالية تخلي البشر بشكلٍ تامٍ عن تناول اللحوم وتأثير ذلك على كوكب الارض؛ تبين أن الأطعمة التي تعتمد على اللحوم تتسبب في إنتاج ما يقرب من 25% من الغازات الدفيئة التي يتعرض لها الغلاف الجوي، وضرب فريق البحث مثال في الولايات المتحدة، مؤكدين أن نسبة الغازات الدفيئة الناتجة عن إنتاج طعام يكفي أسرة من أربعة أفراد؛ يكون أكثر من الغازات الدفيئة المنبعثة من قيادة سيارتين!

وبحسب تيم بنتون، خبير الأمن الغذائي في جامعة «ليدز» البريطانية، فإن التقليل من تناول اللحوم وإنتاجها، قد يكون له فوائد كبيرة في التغير المناخي للأجيال القادمة، لكن لو أصبح جميع البشر نباتيين فسيكون لذلك تبعات خطيرة أيضًا على ملايين بل ومليارات البشر.

وأكد ماركو سبرنجمان؛ أحد مؤلفي هذه الدراسة، أن تأثير تحول البشر للنباتية هو أمر إيجابي يصعب تجاهله، وإذا تحول كل البشر للنباتية – بحسب تلك الدراسة – فقد تقل الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري بنسبة تصل إلى 70%، لكنه وضح أيضًا أن فكرة الاعتماد على النظام الغذائي النباتي بشكلٍ كلي ليس واقعيًا بالمرة، ويلقي الضوء على أهمية إدراك الدور الذي تلعبه اللحوم وصناعتها في الاحتباس الحراري، كما يدرك البشر أن السيارات تفعل ذلك، حتى يندرج تصنيع اللحوم تحت بند الأشياء التي يجب ترشيدها أو البحث عن وسائل جديدة في آليات تشغيلها، يكون من شأنها تقليل انبعاث الغازات الدفيئة.

النباتية.. اضطراب اقتصادي واجتماعي
يعد التخلي عن اللحوم بوصفها مصدرًا غذائيًّا يبشر بوعود كثيرة فيما يخص التغير المناخي؛ فهو بذرة سيحصد ثمارها الأجيال القادمة، لكن الأجيال التي تعيش الآن، ومنها بشر تعتمد مهنهم واقتصادهم على تصنيع اللحوم وبيعها، كيف سيكون تأثير هذا عليهم إذا قرر البشر فجأة التوقف عن تناول اللحوم؟

هؤلاء العاملون في صناعة اللحوم سيكونون في حاجة ماسة للانتقال لمهن جديدة، وإذا فشلت الحكومات في توفير وظائف جديدة لتلك الشريحة من المجتمع، سيظهر تحدٍ جديد وهو تحدي البطالة والاضطراب الاجتماعي، خاصةً في المناطق الريفية التي يعتمد العديد من سكانها في مصدر رزقهم على تربية الحيوانات من أجل بيعها لمصانع تصنيع اللحوم، أو الجزارين.

ويوضح بين فالان الباحث في جامعة «كامبريدج» والذي يدرس التوازن بين الطلب على الغذاء والتنوع البيئي؛ أن هناك ما يقرب من 4 مليارات حيوان موجود في كوكب الأرض، وعشرات المليارات من الدجاج، المنخرطين في صناعة اللحوم سنويًّا، مؤكدًا أن إنهاء تلك الصناعة يعد «اضطرابًا اقتصاديًّا» وليس اجتماعيًّا فقط.

إذن فإن التحول المفاجئ للنباتية لن يكون في صالح كوكب الأرض أيضًا عندما يمر بأزمة اجتماعية واقتصادية، كما أن اللجوء للنباتية لن يكون «حلًا سحريًّا» لإنقاذ كوكب الأرض كما يتخيل البعض، بحسب تصريحات مارتن هيلر مختص الأبحاث العلمية بجامعة «ميتشيجان».

والذي وضح أنه على البشر «تغيير الطريقة التي يأكلون بها اللحوم»؛ موضحًا أنه لا يعني بكلامه هذا تحول البشر جميعًا للنباتية، بل يقصد أن التحولات في النظام الغذائي المعتمد على اللحوم سيكون له نتائج إيجابية على التغير المناخي في كوكب الأض بجانب العديد من الحلول الأخرى، ولكن مارتن أوضح أنه من الصعب أن نلقي هذا العبء على الفرد وحده، بل إنه يجب على الحكومات والشركات أن تبدأ في تلك التغييرات من جانبها.

لكن في المقابل وجدت الدراسة السابق ذكرها، أنه إذا تحول البشر للنباتية بحلول العام 2050 سيشهد العالم انخفاض نسبة الوفيات بين 6% إلى 10%، بسبب خفض أمراض القلب والشريان التاجي والجلطة ومرض السكري وبعض أنواع السرطانات، وكل الأمراض التي تساهم اللحوم في تفاقمها أو الإصابة بها، وبالتي فإن انخفاض عدد الذين يعانون من أمراض مزمنة لها علاقة بالغذاء، سيسبب بدوره انخفاض الأموال التي تُصرف في العلاج، والذي يوفر ما بين 2% و3% من الناتج الإجمالي المحلي على مستوى العالم.

إيهاب نجدت – ساسة بوست

اساسي