من خطاب أوهن من بيت العنكبوت إلى جدولة المازوت.. حربٌ واحدة بوجهين


قد يتساءل البعض من خارج الحدود وآخر من داخلها مع الفارق في خلفية السؤال كيف يمكن لقائد ينتظر خطابه العدو قبل الصديق ليحلل مفرداته ويبحث خلف الكلمات عن رسائل خفية، كيف يمكن لصاحب الخطاب الأشهر والأقوى والذي وصف فيه أعتى الجيوش العسكرية ومدللة الرأسمالية الأمريكية بأنها أوهن من بيت العنكبوت أن يخرج ليتحدث بتفاصيل نقل مادة المازوت إلى لبنان؟!
هل كان يخطر بأذهان من كان حاضراً في ذلك المهرجان في بنت جبيل في ذكرى تحرير الجنوب الخامسة أن السيد ذا الصوت الحسن والنبرة الحازمة والصرخة العالية المدوية في قلوب الأعداء والخافقة بالحب والحماسة في قلوب الأنصار أن تصبح لغته لغة رأفة وتفاصيل حياة معيشية؟
إذا كان السؤال من الخارج، فالجواب يكون أن القائد هو من يهتم بشؤون الناس ويعالج كل القضايا ولا يأنف أن يخوض كل المعارك في سبيل نصرة الحق ولو تعددت وجوهها.
قد يرتبك البعض متسائلاً، لمَ لا يكلف السيد فريقاً متابعاً أو شخصاً مسؤولاً وهم كثر في حزب الله المعروف بتنظيمه وتقسيم العمل بطريقة منظمة مرتبة محكمة، دون أن يتصدى هو لكل تفاصيل العمل الانساني او الانمائي او المناصر للشعب اللبناني في أزماته المعيشية وفي ظل حصار اقتصادي شديد وظالم؟
وطالما سلسلة الأسئلة مستمرة الجواب واحد ثابت كثبات جواب الامام الحسين عليه السلام في حربه ضد يزيد “وإن كان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة فهيهات منا الذلة” والذلة هذه في قاموس سماحة السيد غير مجزأة ولا محددة بحالة حرب واحدة او صراع واحد كما يفهم كل من تعلم من أبي الأحرار معنى العزة لا الذلة في وجه كل ظلم يقع سواء أكان فردياً أم جماعياً.
والقائد كما أسلفنا لا يفصله حاجز بينه وبين مجتمعه الناظر إليه كالمخلص في ظل أزمة ثقة لايمكن لأحد ان يسلم منها إلا من وثق الناس بصدقه ووفائه بوعده حين يعد، من هنا أعتقد أن هذا الخطاب والتحدث بهكذا تفاصيل لم يعتد المتابعون أن يسمعوا الأمين العام لحزب الله يتطرق إليها قط، حتى في الأمور الشرعية من حلال وحرام
إلا أن لكل مرحلة قواعدها والظروف تفرض نفسها، عندما تكون المعركة عسكرية لها الميدان فاصلاً وعندما تكون سياسية فالحنكة والدراية سلاحها وأثبتت التجربة نجاحها في أكثر من اختبار بعدما كاد البلد يغرق في الفتنة لولا حكمة الأمين العام لحزب الله والانضباط في صفوف الحزبيين والمناصرين.
اليوم تختلف المعركة في أدواتها عن العسكر والسياسة، هي معركة اقتصادية بوجوه قبيحة جداً وبأدوات مباشرة وغير مباشرة ويختلط فيها المتآمر مع المستفيد
التاجر والطامع والمقامر والمحتكر مع إرادة دولية بتجويع الشعب اللبناني فرضا على المواطن اللبناني ظروفًا معيشية قاسية لا يمكن لقائد اعتاد أن يكون حاضراً في الدفاع عنه في كل الجبهات، إلا أن يخرج متحدياً الإرادة الدولية ولأول مرة في تاريخ الشعوب المحاصرة ليصرخ
 صرخة حق في وجه سلطان المال والاحتكار.
والحرب الاقتصادية لا تقل شأناً ووزناً عن الحرب العسكرية والنفسية التي أجاد السيد نصر الله فيها أساليب الصراع وكان له الباع الطويل بإدارة دفة القيادة والبراعة بالخطابة وتوهين العدو نفسياً قبل الميدان عسكرياً، وكما عهده العدو بالصدق وشهد له بذلك اعلام الصهاينة وشعبهم حتى بات يحلل كل كلمة وكل حركة إلى خطاب أمس الذي ركز السيد جلّ كلامه حول أزمة المحروقات في لبنان وكسر الحصار الاقتصادي عبر استقدام مادة المازوت من ايران إلى سوريا ووصولاً إلى لبنان وتحدث بتفاصيل التوزيع وآليته، حتى هذه التفاصيل التي استهجن البعض في الداخل أن يتحدث فيها السيد شخصياً، في حين أن اسرائيل كانت تتابع بدقة ما يقول قائد المقاومة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
هذا البعض لم يلحظ البعد الانساني والروح المتألمة لشعب ما عرف الذل يوماً، نعم يتألم صنديد المقاومة على طوابير الشعب تحت أشعة الشمس بانتظار قليل من ليترات البنزين، بحرقة تحدث وباستهجان عن تهديد الأفران بوقف الخبز عن الناس، هذا البعض لا يفهم لغة الحب هذه بين القائد وشعبه وأهله عندما يصف ابنه الشهيد بابنكم هادي! يعني أنا منكم وأنتم مني وأنا لا أرضَى بالذل لكم فأنتم أبناء الكرامة كما وصفت العبارة خلفه، كله مدروس بدقة وتحت عنايته كما هو مدروس بالمقابل كل رد من أدوات اسرائيل في الداخل سواء من شخصيات سياسية واعلامية أو فنية معلومٌ للجميع خلفيتها السياسية وأهدافها وآمالها التي يحبطها السيد يوماً بعد يوم، إنها الأنسنة أيها السادة.

اساسياميركاايرانحصارلبنان