بين نيسانين: دماء “قانا” تُزهر “عصفًا”

في نيسان 1996، حين كان العالم يراقب بصمتٍ احتراق قرانا، كانت الحقيقة تُكتب بخطٍ عريض لا يقبل التأويل: “عدوان إرهابي صهيوني أميركي ضد المدنيين”. هو المانشيت ذاته الذي يرتسم اليوم فوق جراحنا النازفة وصمودنا الأسطوري، وكأن التاريخ يعيد تمثيل فصول الغدر، لكنه يواجه هذه المرة جيلًا من الرجال لم يعرفوا طعم الهزيمة.

نداءُ الروح: من التعبئة إلى الاقتحام
حين صدح صوت الشهيد الأقدس مناديًا بالتعبئة العامة، لم يكن يجمع مقاتلين فحسب، بل كان يبني أمةً من الاستشهاديين. تلك الوجوه السمراء التي تظهر في الأرشيف، بقبضاتها المرفوعة وبزاتها المرقطة، هي ذاتها التي تسكن اليوم خنادق معركة “العصف المأكول”. إنها روح الشهيد الأقدس التي تجري في عروق المسيّرات والأسلحة النوعية، محولةً “الوعد الصادق” إلى فعلٍ يذيق المحتل مرارة ما زرعه في قانا والمنصوري.

معادلة الردع: الكاتيوشا التي صارت قدرًا
منذ صرخة الكاتيوشا الأولى التي كسرت هيبة “شمالهم” في التسعينيات، فُرضت معادلة حماية الناس. تلك الصواريخ “البسيطة” التي دخلت الميدان لتثأر لدم الأطفال، هي “الجدة” الشرعية لصواريخنا ومسيّراتنا الانقضاضية اليوم التي تمسح الغبار عن وجه الأرض وتجعل من الكيان غبارًا تحت وطأة “العصف”. لقد تحولت الكاتيوشا من سلاح دفاعي إلى فلسفة وجود، تُثبت للعدو أن من حاصرته “العناقيد” يومًا، هو اليوم مَن يلتهم عُمره بعصفٍ لا يُبقي ولا يذر.

المانشيت الخالد: لبنان كله مقاومة
ثلاثون عامًا لم تُغيّر في النص حرفًا واحدًا: “لبنان كله مقاومة”. هذه ليست جملةً خبرية، بل هي ميثاق الدم الذي يربط ماضينا بحاضرنا. في 1996 كانت الكلمات تُكتب على الورق، وفي 2026 تُكتب بالبارود فوق تلال الجليل المحتل. إن دماء المظلومين في قانا والمنصوري، ووصايا سرايا الاستشهاديين، هي الوقود الذي لا ينطفئ، والنور الذي يوجّه ضرباتنا في “العصف المأكول” لتكون قاصمةً ومحررة.

إن الأرشيف لا ينام، والحق لا يموت. وكما انكسر عدوان نيسان القديم على صخرة الصمود، سينتهي عدوان اليوم بهزيمةٍ تاريخية تليق بعظمة هذا الشعب الذي آمن يومًا وما زال أن لبنان كله مقاومة.

العصف المأكولحزب اللهقانا