لا شيء يشير إلى قرب انتهاء الحملة العسكرية الأميركية “الغضب الملحمي” ضد إيران بالشراكة مع عملية “زئير الأسد” الإسرائيلية والتي تشمل لبنان أيضًا، والتقديرات في واشنطن وتل أبيب وعواصم غربية تقترب من الإجماع على صمود الجمهورية الإسلامية أمام موجات الغارات العنيفة في طهران والمحافظات الأخرى، حتى تكاد المعركة الحالية تتحول إلى حرب وجودية بين بقاء النظام الإيراني وحلفائه في العراق ولبنان واليمن من جهة وبين بقاء القوات الأميركية وحليفتها “إسرائيل” في المنطقة.
وعلى الرغم من هذا “الستاتيكو” المستمر منذ اللحظات الأولى للحرب، فإن دولًا في الإقليم تنظر إلى الواقع العسكري المستجد في المنطقة، بالاستناد إلى مرتكزات ما جرى في لبنان وسوريا وفلسطين بين 2023 و2025 من وقائع ميدانية، وهي تراهن، وإن لم تظهر ذلك علنًا، على حدوث نتائج مشابهة في إيران الآن، حيث يُنظر إلى أن واقع السنتين الماضيتين أفرز نتائج دراماتيكية على المستوى القيادي، وعلى مستوى تقلص رقعة سيطرة أصدقاء طهران في المساحات الثلاث.
وإن كانت واشنطن وتل أبيب لا تنويان إيقاف الحملة العسكرية، فإن المفارقة هي تحريض بعض الدول الإقليمية (خاصة الكويت والسعودية والبحرين والإمارات) للولايات المتحدة على الاستمرار في الحرب رغم دفعها ضريبة باهظة من أمنها واقتصادها، متأملة الحصول على عائد ما أكبر في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في حال تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني. لكن أيًا من دول الإقليم غير قادرة على مساعدة الإدارة الأميركية في خطوتها المرتقبة أي العملية البرية، باستثناء تركيا بجيشها المتطور -ثاني أقوى وأكبر جيش في حلف شمال الأطلسي “الناتو”- لكن هل ستدخل تركيا المعركة مع “شريكتها الإستراتيجية” الولايات المتحدة؟ سؤال لا بد من التفصيل فيه.
أولً: الخطة “باء”
الأكيد أن أولوية أنقرة رفض الحروب في المنطقة، وهي تعتبر الاستقرار سببًا رئيسيًا لازدهار تركيا نفسها، لما ينعكس عليها اقتصاديًا على مختلف المستويات الداخلية، وبما تمتلكه من قدرات صناعية وتجارية وسياحية منافسة وعلاقات وازنة مع دول منطقة غرب آسيا. والمعروف أن التوجه العام في تركيا يفصل بين الموقف السياسي من الحكومات والاتصال التجاري معها، لكن في الأيام الأولى من الحرب طفت على سطح النقاش في بلاد الأناضول معلومات عن تهيئة الدولة للخطة “باء” في مواجهة احتمالات سقوط النظام ونشوء فوضى في إيران، وأولى تلك العلامات ظهرت بما تسرب عن إطلاع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية التركية أعضاء البرلمان في اجتماع مغلق عن استعداد انقرة لعدة سيناريوهات محتملة، واستخدام أحد هؤلاء المسؤولين مصطلح إنشاء “منطقة عازلة” داخل إيران لمنع موجة نزوح كبرى في حال سقوط الحكومة في طهران، وأن كل ما يمكن فعله “يجب أن يتم على الجانب الإيراني” لضمان بقاء المهاجرين المحتملين هناك.
ثانيًا: الدور في الناتو
في أول انتشار رئيسي بزمن السلم شارك نحو ألفين من القوات البرية التركية (من أصل 10 آلاف لـ8 دول) في اختبار لقوة الرد السريع الأطلسية بين 8 و20 شباط/فبراير 2026 في إطار مناورات “ستيدفاست دارت 2026” في ألمانيا، والتي عُدت أكبر مناورة للحلف هذا العام، وأشادت فيها قيادة “الناتو” بالمشاركة التركية، مع لحاظ تغير المفهوم الاستراتيجي للأطلسي بعد 2023 إلى اعتماد “خطط دفاعية” (هجومية في الواقع) لمواجهة تهديدات من بينها [عدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة الجنوبية (“الشرق الأوسط” وأفريقيا)] و[الضغط على خطوط الطاقة وسلاسل الإمداد] بالاتكاء على “الاستعداد قبل وقوع الأزمة” و”نشر القوات مسبقًا”، وكان لافتًا أن المناورات في ألمانيًا شملت تدريبًا مكثفًا على الحرب البرية والإنزال عبر السفن.
وهنا يبرز دور أنقرة إثر الحديث بعد مرور شهر على الحرب في المنطقة عن دور مركز قيادة القوات البرية متعدد الجنسيات في أضنة التركية الذي “ستتولى تركيا فيه إدارة تنسيق القوات البرية التابعة للناتو، والقادمة إليها، ولن تكون مجرد دولة مضيفة، بل ستقود أي تحرك” يرتئيه حلف شمال الأطلسي، في وقت يتكرر كلام واشنطن عن نيتها القيام بعمل بري مشترك في إيران بغض النظر عن خلاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الحلف.
وكذلك، تحت عنوان التعامل مع تطورات الحرب الأوكرانية، وفي مواجهة روسيا، ستكون قوة المهام المشتركة في البحر الأسود بمنطقة المضائق (إسطنبول) تحت إدارة تركية أقله حتى العام 2028، وإن كان البحر الأسود لن يتحول لبحيرة أطلسية إلا أن خطط الناتو ستنفذ عبر تركيا في هذا البحر، بما يشمل التصدي لأي تحرك روسي متوقع، فيما لو أرتأت موسكو أن تدعم أو تؤازر طهران لوجستيًا أو عسكريًا في حربها مع واشنطن وتل أبيب.
بالنتيجة ستصبح تركيا مركز قيادة خطوط حلف شمال الأطلسي الجنوبية والشرقية من خلال مقار ليست مجرد هياكل عسكرية، بل تضاف إلى الأصول الاستراتيجية الموجودة في قاعدتي إنجيرليك الجوية الأميركية (أضنة جنوبًا) ورادار كورجيك الأطلسي للرصد والإنذار المبكر (ملاطية شرقًا)، ما يرفع الدور التركي إلى منسوب أعلى من الاصطفاف الجيوسياسي مع ما يريده الأطلسي في غرب آسيا، وإيران تاليًا.
ثالثًا: ثغرة الأطراف في إيران
تنظر تركيا بقلق شديد إذا ما تفككت إيران في حال سقوط النظام الإسلامي فيها، وإن كانت “فارس” هي قلب إيران فإن مناطق “بلوشستان” و”عربستان” و”أذربيجان” و”كردستان” هي أطراف تثير قلق دول الجوار عند أي فوضى، واحتمالات نشوء طموحات استقلالية عدائية لجيران إيران خاصة المنطقة الكردية التي لأجلها دقت أنقرة جرس إنذار التهديد القومي، ورفضت مشاريع أميركية لدفع المنظمات الكردية الانفصالية للانخراط في معركة برية من البوابة العراقية للسيطرة على “روج هيلات (كردستان الشرقية)”.
وبالعودة إلى مرتكزات ما جرى بين 2023 و2025 في غرب آسيا، فإن لاحتمال حدوث “الأسوأ” في إيران ترجيحًا بدرجة عالية جدًا بنظر دول إقليمية، لذا تعتبر تركيا أن لها “الأحقية” من وجهة نظر الأمن القومي والصلات الثقافية والاجتماعية أن تضع يدها أو تدخل إلى مناطق لحمايتها (أذربيجان) أو لمنع تهديدها (كردستان)، وبينما يُنظر إلى قرابة الآذريين والتركمان في إيران مع الأتراك في بلاد الأناضول، فإن الدولة التركية لطالما اعتبرت الأكراد تحت رعايتها إما بالاحتواء أو بالقوة في الأقاليم الأربعة التي يتواجدون فيها في سوريا والعراق وإيران فضلًا عن تركيا، لتصبح مبررات تدخل أنقرة والدخول في العملية البرية “ضرورة” عند حدوث هذا “الأسوأ”.
وفي المشهد الإثني المعقد في إيران، لا يمكن إغفال الاجتماع الرباعي في إسلام آباد، فإن كانت تركيا وباكستان تريدان تخفيضًا للصراع في المنطقة، فإن إصرار واشنطن وتل أبيب على إكمال الحرب حتى إسقاط النظام قد لا يترك لكل من انقرة وإسلام آباد مجالًا إلا الانخراط لحفظ ما تريان فيه مدى جيوسياسيًا (بلوشستان بالنسبة لباكستان وأذربيجان وكردستان بالنسبة لتركيا)، ومجال السياسة لا يمكن الحكم عليه بحسن النوايا والمبادرات الإيجابية في عالم يزداد قسوة وتوحشًا يومًا بعد آخر.
وأمام الخطط المسبقة، ودور التحالفات، والثغرات المفترضة، تبدو تركيا كمن يقف على التل بانتظار حدوث “الأسوأ”، وهو “أسوأ” لا يمنعه بالنسبة للإيرانيين إلا:
- رسائل النار إلى دول الجوار، كلٌّ بقدر شراكتها أو احتمال شراكتها في مشروع الحرب بمستوياتها الجوية والبحرية والبرية.
- القدرة على الإيلام المتواصل لمن أشعل الحرب -الولايات المتحدة و”إسرائيل”- وجعل وجودهما وقواتهما في المنطقة عبئًا.
- القدرة على السيطرة في الأطراف ومنع العمل البري، إيًا كان شكله أو اتجاهه، من خارج الحدود قبل وصوله إلى الداخل الإيراني.