لم يعد العدوان الأميركي-الإسرائيلي على لبنان وإيران مجرد مواجهةٍ عسكريةٍ تقليديةٍ، بل تحوّل إلى صراعٍ مركّبٍ تتداخل فيه العقيدة مع السياسة، والميدان مع القرار الدولي. فبينما انطلق التصعيد على قاعدة إحداث صدمةٍ سريعةٍ تُسقط الخصم أو تُضعفه جذريًا، جاءت النتائج مغايرةً، حيث أظهرت الجبهات المقابلة قدرةً عاليةً على امتصاص الضربات وتحويلها إلى عناصر قوةٍ، في مشهدٍ يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع.
في قلب هذا المشهد، يبرز البُعد العقائدي كعاملٍ حاسمٍ. فثقافة الشهادة المرتبطة بالإمام الحسين لا تُختزل في بعدها الرمزي، بل تشكّل منظومة تعبئةٍ مستمرةٍ تعيد إنتاج الإرادة القتالية. وعليه، فإن الاغتيالات التي استهدفت قياداتٍ في “إيران” ومحور المقاومة لم تُضعف الجبهة، بل زادت من تماسكها، إذ تتحوّل الشهادة إلى طاقةٍ دافعةٍ تعزّز الاستمرارية. هذا العامل شكّل عنصر مفاجأةٍ للخصوم الذين راهنوا على كسر البنية القيادية لإحداث انهيارٍ سريعٍ.
ميدانيًا، لم يتمكّن “العدو الصهيوني” من ترجمة تفوقه الجوي إلى حسمٍ فعليٍ، إذ واجه تحدياتٍ كبيرةً في مواجهة مجموعاتٍ قتاليةٍ تمتلك حرية حركةٍ وسرعة تنفيذٍ لافتةً، مع قدرةٍ على إطلاق رشقاتٍ صاروخيةٍ كثيفةٍ أربكت منظومات الدفاع. كما أن اقتراب وحدات النخبة من الحدود فرض معادلة ردعٍ جديدةً، جعلت الكيان أمام أزمةٍ استراتيجيةٍ تتعلق بكيفية الخروج من المواجهة دون خسائر أكبر.
سياسيًا، تتكشف التحولات داخل لبنان بشكلٍ متسارعٍ. فكلام رئيس الحكومة نواف سلام يعكس محاولة فتح مسارٍ تفاوضيٍ أو تهدئةٍ تحت ضغط الواقع الاقتصادي والسياسي، مع إشاراتٍ إلى طلب وساطاتٍ دوليةٍ والتلويح بخيار السلام. إلا أن هذا المسار يصطدم بواقعٍ داخليٍ معقّدٍ، حيث لا يبدو أن قوى المقاومة مستعدة للقبول بتسوياتٍ تُفرّغ ما تعتبره إنجازًا ميدانيًا.
وفي هذا الإطار، تبرز قراءة الموقف الصادر عن دولة الرئيس نبيه بري، الذي يشكّل أحد أعمدة القرار السياسي الشيعي في لبنان. فوفق ما نُقل عن زواره، يؤكد بري أن التفاوض مع “العدو الصهيوني” «مستحيل»، واضعًا سقفًا واضحًا يتمثل بالعودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 دون أي تنازل. هذه القراءة لا تعكس فقط موقفًا تفاوضيًا، بل تعبّر عن ثقةٍ متزايدةٍ بالمسار الميداني، حيث أبدى ارتياحه لأداء المقاومة في الجنوب، واعتبر أن الحرب على إيران تقترب من نهايتها بنتائج تميل لصالحها.
كما يكتسب موقف بري أهميةً إضافيةً في إشارته إلى التنسيق القائم بينه وبين المقاومة و”إيران”، ما يؤكد أن القرار السياسي ليس منفصلًا عن الميدان، بل متكاملٌ معه. كذلك، فإن ارتياحه لموقف وليد جنبلاط الرافض لأي تفاوضٍ في غياب المكوّن الشيعي، يعكس تقاطعًا سياسيًا جديدًا يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويشير إلى إعادة تشكّل الاصطفافات الداخلية بناءً على معطيات المرحلة.
أما تحوّل جنبلاط نفسه، فلا يمكن قراءته إلا في سياقٍ براغماتيٍ يرتكز على قراءةٍ دقيقةٍ لموازين القوى. فالرجل الذي لطالما غيّر تموضعه وفق اتجاه الرياح السياسية، يبدو اليوم أقرب إلى تبنّي موقفٍ يعكس إدراكًا بأن الكفّة تميل -ولو مرحليًا- لصالح إيران وحزب الله، ما يستدعي إعادة التموضع بدل المواجهة.
إقليميًا ودوليًا، تتكشّف ملامح تحوّلٍ أوسع. فإيران، التي اعتُقد أنها ستنهار سريعًا، نجحت في استيعاب الضربة الأولى والانتقال إلى مرحلة المبادرة، فيما تواجه الولايات المتحدة انقسامًا داخليًا متزايدًا حول جدوى الاستمرار في الحرب، سواء من حيث الكلفة المالية أو التداعيات السياسية. هذا التباين قد يفتح الباب أمام افتراقٍ تدريجيٍ في المصالح بين واشنطن و”تل أبيب”، خصوصًا إذا استمر الاستنزاف دون تحقيق أهدافٍ واضحةٍ.
في الخلاصة، يتبيّن أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهةٍ عسكريةٍ، بل تحوّلت إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ في إعادة رسم التوازنات. فالعقيدة عززت الصمود، والميدان فرض معادلاتٍ جديدةً، والسياسة بدأت تتكيّف مع واقعٍ لم يكن متوقعًا. وبين كل هذه العناصر، يتشكل مشهدٌ إقليميٌ مختلفٌ، عنوانه أن زمن الحسم السريع قد انتهى، وأن معادلة القوة باتت تُكتب بالصبر بقدر ما تُكتب بالنار.