د. وداع وجيه حمادي
تجاوزت الأربعين عامًا وفي كلّ عام أجد نفسي أكثر التحامًا بالفكر التّرابيّ.
حروب كثيرة مضت، هنا في جنوب لبنان، وفي كلّ حرب أحثّ روحي المتأرجحة على حبال الدّنيا أن تزداد زهدًا.
على الإنسان أن يتذكّر دائمًا أنّه مخلوق من طين، وإلى الطّين مردّ جسده الفاني، سواء أكان هذا الطين قبرًا أم ركام بيت احتضنه فضمّته جدرانه في نهاية الرّحلة.
نتعلّم في كلّ مرّة كيف نتخلّى عن زخارف الدّنيا، وليس في هذا تخلٍّ عن حبّ الحياة والطّموح وبذل الجهد في سبيل خدمة المجتمع. نتعلّم كيف نزداد تواضعًا، وهذا يعني أن نتعلّم كيف نحيا بمسؤوليّة نحو أنفسنا ومن نعيش معهم، إذ نزداد وعيًا بقدرتنا على أن نكون صادقين وقادرين على التزام حياة الفطرة من غير تكلّف، أن نلجأ إلى بساطة العيش على الرّغم من كلّ ما نراه من مباهج.
لا أنكر أنّ في نفس كلّ منّا ميلًا مستمرًّا إلى التّطوّر الفكريّ والمهنيّ، وهذا لا يتناقض مع مبدأ الزّهد، إذ إنّه مترافق مع ميل إلى التّطوّر الرّوحيّ، لذا نبحث عن السّعادة، وبطبيعة الحال نتحلّى بالرّضا إذا ما شاء الله أن نخسرها يومًا، والرّضا هو الصّبر على المكاره من غير تذمّر، وفي هذا كلّه تفكّر وتدبّر.
ترشدك الظّروف كيف تكون صافيًا، وأن تكون صافيًا بالفعل من غير ادّعاء هو أمر ليس بالسّهل، وأن تسعى إلى الخير سعيًا حثيثًا من دون انتظار مقابل ومن دون رغبة منك في أن يُعرف عنك ذلك هو ما لا ينقاد لغير أهله، أن تكون في درب الحقّ وثباتك عليه هو درب ذات الشّوكة المزروع عزماً وصبرًا، نحتاج إلى اليقين، الكثير من اليقين، كما نحتاج إلى إيمان بأنّ الفضائل لا تندثر، وأنّ الدّنيا ليست سوى حفنة من غبار، نغادرها من غير حساب، والأجدر مغادرتها من غير تعلّق بالمادّيّات، والأكثر قوّة هو أن نغادرها في ثبات ويقين ووعي.
إنّ الطّبيعة البشريّة تتوق إلى الملذّات، ووعي الإنسان الرّوحيّ قادر على ضبطها والتّحكّم بها، لا بل تنظيمها كي لا يصير عبدًا لها، من هنا يأتي دور الإيمان واليقين في تنظيم علاقة المرء بشهواته، وضبط علاقته مع المادّة حتّى تكون حياته متوازنة.
في خضمّ سعي الإنسان إلى تأمين ما يحتاجه في سبيل البقاء من مادّة، وفي ذروة بحثه عن الرّاحة عليه أن يتنبّه ألّا تتحوّل مساعيه من وسيلة إلى غاية، ولعلّ الحروب الّتي تفرضها علينا لعنة الجغرافيا وربّما التّاريخ كذلك، لعلّ ذلك يعلّمنا الكثير ويدفع بنا إلى التّفكّر، ويدعونا إلى التّعلّق بالفطرة الأصيلة، ومحاولة البقاء على اتّصال بالفكر التّرابيّ كي لا تسحقنا الدّنيا وما تفرضه من تكلّف، وبذلك ندرك جيّدًا في أيّ معسكر سنكون في معركة شرسة بين الحقّ والباطل، وبناء على ذلك يصبح الرّماديّ أقرب إلى السّواد، ويظلّ الأبيض ناصع لا لبس فيه.
في جنوب لبنان حياة تضجّ بالأمل، حياة تقف عند ناصية الثّبات، يتلو قرآن عزمها رجال زهدوا في الدّنيا فتطايرت ذرّاتها تحت نعالهم، وعبرت من فوّهات بنادقهم مجدًا لا بل عزًّا إلهيًّا ووعدًا بالنّصر ولو بعد حين. هنا في الجنوب ترابيّون عرجوا على الوديان فخجل منهم الزّهد وطأطأ رأسه إكرامًا، وأنا أبقى أعبر سنيني، تظلّلني بنادقهم، وقد شددتُ أواصر روحي كي تعمل لدنياها كأنّها تعيش أبدًا، وتعمل لآخرتها كأنّها تموت غدًا.