لم يكن العدوان الأميركي-الصهيوني الأخير على إيران ومحور المقاومة مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محاولة استراتيجية لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة وفرض واقع سياسي جديد يضعف محور المقاومة ويعيد تثبيت الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية. غير أن مجريات الميدان كشفت سريعًا أن ما خُطط له في غرف القرار لم يتطابق مع الواقع. فالضربات المباغتة، وسرعة استعادة زمام المبادرة من قبل قوى المقاومة، أظهرت أن الحرب التي كان يُراد لها أن تكون حرب حسم سريع تحولت إلى مأزق استراتيجي للعدو، يزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.
في الساحة اللبنانية تحديدًا، يتضح أن العدو حاول منذ بداية المواجهة تحقيق إنجاز ميداني يتيح له فرض شروط سياسية لاحقة، سواء عبر التلويح بعملية برية واسعة أو عبر الضغط لإحداث اختلال كامل في الجنوب. إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك؛ فالتقدم البري بقي محدودًا ومتعثرًا، والمقاومة ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات يومية وإرباك المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية”. والأهم أن التكتيكات القتالية التي تعتمدها المقاومة اليوم ــ القائمة على الحركة المرنة والضربات المركزة ثم الانسحاب السريع ــ جعلت العدو يواجه خصمًا غير مرئي تقريبًا، ما أدى إلى خلل واضح في منظومته الاستخبارية والعملياتية.
أمام هذا الفشل الميداني، انتقل الضغط إلى المستوى السياسي والدبلوماسي. فارتفعت فجأة وتيرة الحديث عن “الجهود الدولية” وعن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، تتراوح بين نشر الجيش اللبناني على كامل الحدود ونزع سلاح المقاومة. غير أن قراءة هذه المبادرات تكشف أنها لا تهدف في جوهرها إلى إنقاذ لبنان، بل إلى إنقاذ “إسرائيل” من مأزقها العسكري. فحين يعجز العدو عن تحقيق أهدافه بالقوة، يسعى إلى تحقيقها عبر الضغوط السياسية، مستخدمًا الوسطاء الدوليين والإقليميين لفرض ما عجز عنه في الميدان.
لكن ما يفاقم المأزق الأميركي-الصهيوني هو البعد الإقليمي للصراع. فالمواجهة لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تشمل محورًا مترابطًا يمتد من فلسطين ولبنان إلى اليمن والعراق وصولًا إلى إيران. هذا التشابك بين ساحات الصراع يجعل أي محاولة لعزل جبهة عن الأخرى أمرًا بالغ الصعوبة. وقد ظهر ذلك بوضوح في الرسائل الإيرانية الأخيرة التي أكدت أن أي تسوية أو تفاوض في المنطقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن أمن إيران وحلفائها، ما يعني عمليًا أن زمن إدارة الحروب المنفصلة قد انتهى.
إلى جانب ذلك، كشفت الحرب عن تحول مهم في معادلات الردع. فالتفوق العسكري التقليدي الذي اعتمدت عليه “إسرائيل” لعقود لم يعد كافيًا لفرض إرادتها السياسية. فالصراع اليوم لم يعد مجرد مواجهة بين جيوش، بل بين إرادات وقدرات على الصمود وإدارة حرب طويلة. وكلما طال أمد المواجهة دون تحقيق الأهداف المعلنة، ازداد الضغط داخل المجتمع “الإسرائيلي” وداخل دوائر القرار الأميركية، وهو ما يفسر حالة التخبط التي تطبع المواقف السياسية والعسكرية في المرحلة الراهنة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن العدوان الذي كان يُراد له أن يضعف محور المقاومة قد أسهم، والمفارقة أن الحرب أسهمت، في تقوية المحور بدل إضعافه، وفي تعزيز ترابطه وتنسيقه. فالتنسيق المتزايد بين أطراف هذا المحور، على المستويين الأمني والعملياتي، جعل من أي مواجهة معه مواجهة متعددة الجبهات. وهذا ما يضع واشنطن وتل أبيب أمام معضلة استراتيجية: فالحرب الواسعة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي لا يمكن التحكم بنتائجه، بينما التراجع دون تحقيق أهداف واضحة سيُعد اعترافًا بفشل المشروع.
هكذا يتبلور المشهد اليوم: مأزق استراتيجي يتسع أمام الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، في مقابل محور مقاومة يبدو أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات الحرب الطويلة. وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها صراع الإرادات وتوازن الردع، حيث لم يعد الحسم العسكري السريع خيارًا متاحًا كما كان في الماضي، بل بات المستقبل مفتوحًا على معادلات أكثر تعقيدًا ترسمها الميدان قبل السياسة.