منذ اليوم الأول للحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، بدا واضحًا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت تتحرك من دون رؤية استراتيجية متماسكة. فمع أن صحيفة وول ستريت جورنال نشرت تسلسلًا زمنيًا دقيقًا لتصريحات كبار المسؤولين في البيت الأبيض، فإن ما تكشفه تلك التصريحات يتجاوز مجرد اختلاف في المقاربات، ليصل إلى مستوى يعكس ارتباكًا في تحديد الأهداف وتضاربًا في تبرير المواقف وغيابًا لوحدة الرسالة السياسية.
من الضربة الأولى التي صُوّرت على أنها ردّ وقائي على “تهديد وشيك”، مرورًا بالمطالبات باستسلام غير مشروط، وصولًا إلى الحديث عن اختيار قائد إيران المقبل تحركت الإدارة الأميركية بين خطاب وآخر كمن يتعامل مع واقع يتغير أمامه من دون خطة واضحة، أو كمن يجرب أكثر من خطاب ليفهم أيّها سيجد صدى داخليًا وخارجيًا.
الهدف: من عملية محدودة إلى مشروع سياسي مفتوح
في البداية، حاولت واشنطن تقديم الحرب كخطوة دفاعية محدودة تهدف إلى “إزالة التهديد الصاروخي” و”حماية القوات الأميركية”. لكن الخطاب بدأ بسرعة يتوسع:
- دعوة ترامب للإيرانيين “لاستعادة بلادهم” أعطت الحرب بُعدًا داخليًا.
- تسريب معلومات عن دور الولايات المتحدة في اختيار القيادة الإيرانية المقبلة حوّل مسار الحرب إلى مشروع سياسي يتجاوز مجرد الردع.
- إعلان البيت الأبيض أن لا اتفاق مقبولًا من دون “استسلام غير مشروط” جعل الحرب تبدو كمسار نحو إسقاط النظام أو إعادة هندسة السلطة في إيران.
هذه التبدلات المتسارعة في الأهداف تشير إلى أن الاستراتيجية الأمنية كانت تتطور تحت الضغط، من دون خطة مسبقة.
التبرير: تعدد الروايات يُفقد الحرب مبررها
تبرير السبب الذي أدى إلى اندلاع الحرب لم يكن أقل تناقضًا:
- مرة جرى الحديث عن تهديد إيراني وشيك.
- مرة أخرى عن ضربة استباقية لحماية القوات الأميركية.
- وفي مرحلة لاحقة، جرى التلميح إلى محاولة اغتيال ترامب كجزء من رواية تبريرية.
هذا التعدد في التبرير يظهر أن الإدارة كانت تبحث عن سبب مقنع للرأي العام الأميركي والدولي، لكن تعدد الأقاويل غالبًا ما يكون مؤشرًا على غياب سردية أصلية موحدة.
الغموض الخطير: الحرب من دون مدة محددة
اللافت في التسلسل أن مدة الحرب كانت بدورها عرضة للتغيير المستمر:
- “يومين أو ثلاثة”
- “أسبوع”
- “أربعة إلى خمسة أسابيع”
- “الحرب بلا تاريخ محدد”
- “اقتربنا من الاكتمال”
التغير المستمر في تقديرات المدة يعبّر عن غياب خريطة طريق فعلية. فالحروب التي تُخاض بلا جدول زمني محدد كثيرًا ما تنتهي بما لم يكن مخططًا له.
ما الذي يُظهر هذا الارتباك؟
يمكن القول إن تصريحات الإدارة الأميركية تعكس ثلاثة اتجاهات رئيسية:
- انقسام داخلي حول الهدف النهائي
فريق يريد ضربة محدودة، وفريق يدفع نحو تغيير النظام، وفريق ثالث يريد استثمار الحرب للحصول على مكاسب سياسية أميركية داخلية. - توظيف الحرب سياسيًا في الداخل الأميركي
الخطاب المتقلب لا يمكن فصله عن حاجة ترامب لتحقيق إنجاز سريع أو تسجيل موقف يُستثمر انتخابيًا. - استراتيجية ضغط بلا ضوابط
الانتقال من ضربة محدودة إلى الحديث عن استسلام وتغيير قيادة يكشف أن الحرب تُدار بمنطق “الضغط بلا سقف”، وهو منطق يحمل مخاطر كبيرة في منطقة حساسة كإيران.
الخاتمة: حرب من دون بوصلة ونتائج مفتوحة
يكشف التسلسل الزمني الموثق أن الحرب لم تكن تسير وفق خطة واضحة، بل كانت تخضع لتحولات في الخطاب السياسي والعسكري وفق مجريات الميدان وردود الفعل الدولية.
وبين تصريحات متناقضة، وأهداف تتبدل، وجداول زمنية متغيرة، تبدو الحرب أقرب إلى تفاعل متسلسل غير محسوب منها إلى عملية عسكرية تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة.
هنا نسأل: هل كانت الولايات المتحدة تخوض حربًا لتحقيق هدف، أم كانت تبحث عن هدف بعد بدء الحرب؟