بعد عامٍ على تشييع الشمس والقمر.. ماذا تغيّر؟

مرّ عامٌ كامل على ذلك اليوم الذي حسبه البعض خاتمة فصل، فإذا به يتحوّل في منطق التاريخ إلى عتبة مرحلةٍ جديدة؛ عامٌ على التشييع الذي لم يكن مجرّد وداعٍ للشهيدين الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله والشهيد الهاشمي، بل امتحانًا عميقًا لفكرةٍ طالما سُئل عنها: هل تبقى المشاريع حيّة بعد غياب رموزها؟ ومع مرور الزمن، تبيّن أن الغياب ليس نقيض الحضور بل شكله الأشد صفاءً، وأن الفكرة حين تتجذر في الوعي لا تعيش بأسماء حامليها بل بما تزرعه في ضمائر الناس.

لقد صار يوم الوداع علامة بقاء، لأن الذكرى لم تُطفئ المسار بل أعادت تعريفه؛ فالدم حين يُسفك دفاعًا عن قناعةٍ راسخة لا يتحوّل حدثًا في الذاكرة، بل يتحوّل معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الثبات، وطاقةً معنوية تُعيد تشكيل الإرادة. في الفلسفة، لا يُقاس الأثر بطول الأعمار بل بقدرة المعنى على الاستمرار بعد صاحبه، وما حدث لم يكن نهاية جسدٍ في الزمن، بل هو انتقال معنى إلى الوعي الجمعي، حيث يُختبر العهد في صمت الأيام لا في ضجيج اللحظات. وبعد عام، يتضح أن ما يُبنى على الإيمان بالكرامة لا تهدمه الصدمات بل تصقله، وأن المشاريع التي تتأسس على قناعةٍ وجودية لا تسقط برحيل رجالها، بل تزداد رسوخًا بذكراهم، لأن الأفكار الكبرى لا تموت حين يغيب أصحابها، بل تبدأ حياتها الأعمق في الذين يحملونها.

بعد سنة، الإجابة باتت أوضح من أي خطاب عاطفي. بعد سنةٍ على رحيل الشهيد الأسمى، يتبيّن أن حضوره لم يتراجع بل تعمّق، وأن الفقد لم يكن فراغًا بل امتلاءً بالمعنى. لم يكن رحيله خسارةً في ميزان القيم، بل لحظةً ارتفع فيها الدم فوق السيف، حين أثبت أن القوة ليست في القدرة على القتل، بل في القدرة على منح الحياة لقضيةٍ تبقى بعد صاحبها.
لقد غاب الجسد، لكن الأثر ازداد رسوخًا، لأن الشهداء الكبار لا يُختزلون في أعمارهم، بل يُقاسون بامتدادهم في ضمائر الناس. كان رحيله شهادةً بأن السيف قد يوقف نبضًا، لكنه لا يستطيع أن يطفئ فكرةً صادقة، وأن الدم إذا امتزج بالعقيدة يتحول نورًا يهدي إلى الطريق، ويحوّل لحظة الوداع إلى انتصارٍ أخلاقيٍّ يتجدد مع كل ذكرى.

الذكرى السنوية ليست محطة دموع، بل لحظة وعيٍ ومراجعة؛ فالتاريخ لا يُقرأ بالعاطفة بل بالنتائج. وبعد عامٍ كامل، تبيّن أن معادلة «قطع الرأس لإسقاط الجسد» لم تعد صالحة حين يكون الجسد فكرةً قبل أن يكون بنية، وحين تكون القيادة تعبيرًا عن عقيدةٍ متجذّرة لا مصدرها الوحيد. وما يقوم على معنى عميق يتجاوز الأشخاص يمتلك قدرةً أعلى على امتصاص الصدمات، لأن الفكرة حين تتشربها الجماعة تتحول إلى وعيٍ جمعي لا يسقط بغياب فرد. كما اتضح أن البيئة الحاضنة ليست جمهورًا عابرًا يصفّق للحظة، بل شريكًا في القرار والهوية والمصير، وأن الصراع لم يعد محصورًا في ميدان السلاح، بل انتقل إلى ميدان السردية والإرادة وتثبيت المعنى. لذلك تغيّر السؤال: لم يعد «ماذا بعد القائد؟» بل «كيف تستمر الفكرة في غيابه؟»؛ وكانت الإجابة في انتظام المؤسسات، وفي خطابٍ متماسك، وفي انتقالٍ قياديٍّ لم تُربكه العاصفة. ورغم التحديات، فإن غياب الفراغ بحدّ ذاته دليل قوة، لأن المشروع الذي ينجح في تحويل الفقد إلى استمرارية يبرهن أن جذوره أعمق من أن تُقتلع، وأن حضوره لم يكن شخصًا عابرًا، بل رؤيةً مستمرة.

ثمّة من ظنّ أن مشهد التشييع كان ذروة انفعالٍ عابر، ستخفت حرارته مع تعاقب الأيام، لكن الزمن أثبت أن اللحظات التي تُبنى على معنى عميق لا تنطفئ، بل تتحوّل إلى مخزونٍ روحيٍّ دائم. فالرموز في الصراعات الكبرى لا تموت لأنها لا تُختزل في أجسادها، بل تُعاد صياغتها في الوعي الجمعي كطاقةٍ أخلاقية تُستدعى كلما اشتد الضغط، وكبوصلةٍ معنوية تُصحّح الاتجاه في لحظات الالتباس.

لقد كان العام المنصرم عامًا للاختبار الشامل: سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا واقتصاديًا، حيث تواصلت الضغوط ومحاولات الاستنزاف، غير أن غياب مظاهر الانهيار أو التفكك كشف أن الفكرة لم تكن انفعال لحظة، بل بنية صلبة قادرة على الصمود. وهنا تتجاوز الذكرى بعدها الرمزي لتصبح قراءةً في ميزان القوى؛ إذ إن المشروع الذي يصمد تحت الضغط ويحوّل الرمز إلى قوةٍ مستدامة، يثبت أن حضوره أعمق من أن يُقاس بعاطفة عابرة أو بحدثٍ واحد في التاريخ.

في الذكرى الأولى لا حاجة إلى المبالغة، فالفلسفة تُحيلنا دائمًا إلى معيار الوقائع: ما استمرّ هو ما كان متجذرًا، وما ثبت هو ما كان مؤسسًا على معنى. سنةٌ كاملة مرّت، والمشروع لم يتوقف، والبيئة لم تتزعزع، والسردية لم تُكسر، ما يدلّ على أن الاغتيال لم يحقق غايته، لأن الفكرة التي تتجاوز الأشخاص لا تُختزل في غيابهم. الذكرى هنا ليست استعادة مشهدٍ انقضى، بل تثبيت معادلةٍ وجودية تقول إن الدم قد يبدّل إيقاع اللحظة، لكنه لا يبدّل اتجاه المسار، وإن القادة حين يرحلون يخلّفون مدرسةً تستمر لا فراغًا يُربك. هكذا يبدو الحدث، بعد عام، ليس خاتمة سيرة بل بداية طورٍ جديد عنوانه الاستمرارية؛ فالشمس قد تغيب عن الأفق، غير أن نورها يبقى في الوعي الجمعي دليلًا وبوصلة. وفي هذا المعنى، لا يُفتح جرحٌ بل يُجدَّد عهد: أن المشروع الذي واجه العاصفة ما زال قائمًا، وأن الزمن-حتى الآن- كتب ما رسخه أصحابه لا ما تمنّاه خصومه.

السيد حسن نصر الله