تتزاحم في ذاكرة جبلِ عامل المقاومةِ أسماء قادة ارتقوا شهداء، حاضرين في وجدان الأمة حضورًا لا يمحوه غياب، تتألق صور بطولاتهم وتضحياتهم رغم تراكم الزمن، إذ منها كنا، قاومنا، بقينا واستمررنا، ليبقوا أبدًا، أصل هذه المقاومة وفرعها الثابت في الأرض والسماء.
قائمة الأسماء المشرّفة تتبارك عامًا بعد عام بأسماء من التحقوا برفاق الدرب، وقد احتشدت أفئدة المشتاقين في أعوامنا الأخيرة على نحو لا يحمل التأجيل. أما في شباط، تحديدًا، فتعود لنا ذكرى الشهداء القادة: شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب وسيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي والقائد الجهادي الكبير الحاج عماد مغنية. لا تمر هذه الذكرى مرورًا عابرًا في ذاكرة هذا الوطن، وهي ليست مجرد محطة زمنية تستعاد فيها أسماء الشهداء القادة للمقاومة، بل مساحة مفتوحة للتأمل في أثرهم العميق على مسار الانتصارات التي تحققت، وعلى ملامح المستقبل الذي يتشكّل بدمائهم وتضحياتهم.
لقد شكّل الشهداء القادة الركيزة الأساسية في بناء مشروع المقاومة، لا بوصفه ردّ فعل مؤقتًا، بل كخيار استراتيجي طويل النفس. كانوا قادة ميدان وفكر في آنٍ معًا، جمعوا بين وضوح الرؤية وصلابة القرار، وبين القرب من الناس وفهم معاناتهم اليومية. ومن هنا، لم تكن انتصارات المقاومة وليدة الصدفة، بل ثمرة مسار تراكمي قاده هؤلاء الشهداء بوعيٍ عالٍ وإيمانٍ راسخ بعدالة القضية.
في محطات المواجهة المفصلية، كان لأثر الشهداء القادة الدور الحاسم في تحويل الهزيمة إلى وهم، والانكسار إلى مستحيل. فقد أسسوا لعقيدة مقاومةٍ ترى في الإنسان العنصر الأهم، وفي الإرادة سلاحًا لا يُقهر. رسموا خطوط الاشتباك، وكرّسوا معادلات الردع، ونجحوا في نقل المواجهة من حالة الدفاع الضعيف إلى موقع الفعل المؤثر، ما مهّد لانتصارات غيّرت وجه الصراع ورسّخت معادلة جديدة في المنطقة.
وفي الحديث عن دور القادة الشهداء في رسم مسار الانتصارات، فإن ما شهدناه في أيار عام 2000 وفي حرب تموز عام 2006 يكرّس دورهم الأساس في إنجاز التحرير الأول وانتصار تموز وما تلاهما، وهذه الانتصارات ما هي إلا نتائج حتمية لتراكمات عظيمة من التضحيات والبطولات والمعرفة الكبيرة والجهوزية المادية والمعنوية التامة التي أسسس لها هؤلاء القادة لأجيال وأجيال.
لم تكن هذه تضحيات محصورة في لحظة الاستشهاد، بل امتدت آثارها إلى ما بعدها. فدماؤهم شكّلت عنصر التلاحم والاتحاد، وأعادت تعريف معنى النصر بوصفه فعل صمود طويل، لا حدثًا عابرًا. لقد أثبتت التجربة أن غياب القائد جسدًا لا يعني غياب المشروع، بل غالبًا ما كان استشهادهم نقطة تحوّل نحو مزيد من التنظيم، والوعي، والقدرة على المواجهة.
أما في البعد الأوسع، فإن أثر الشهداء القادة تجاوز حدود الجغرافيا، ليطال وعي الأمة جمعاء. فقد قدّموا نموذجًا للقيادة المرتبطة بالقيم، لا بالمصالح الضيقة، وبالقضية، لا بالسلطة. نموذجًا أعاد الاعتبار لفكرة التضحية في زمنٍ سادت فيه ثقافة الانكفاء والاستسلام والتخلي والخذلان. ومن خلال هذا النموذج، تحوّلت المقاومة إلى حالة ثقافية وفكرية، لا مجرد فعل عسكري فحسب، ما جعلها قابلة للاستمرار والتجدد.
اليوم، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبدو ذكرى الشهداء القادة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتحديات لم تتراجع، بل تعاظمت، وتغيّرت أشكالها، وأصبحت المواجهة متعددة الأبعاد: عسكرية وسياسية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية. وهنا تحديدًا، يتجلّى حضور الشهداء القادة في المستقبل، لا بوصفهم ذاكرة فقط، بل كمرجعية أخلاقية وفكرية وروحية ترشد الخيارات وتمنع الانزلاق نحو اليأس أو الاستسلام.
لقد صان هؤلاء الشهداء بدمائهم وطنًا وشعبًا على امتداد أكثر من أربعين عامًا، منهم من رسم الطريق ومنهم من حمل الوصية وأكملها، واليوم وبعد أن التحقوا جميعًا بركب الشهداء، باتت المسؤولية الملقاة على عاتق كل منا، أكبر وأشد حزمًا، لا سيما بعد الحرب الأخيرة الطاحنة التي شنها العدو على بيئة المقاومة واستشهاد معظم قادتها، وفي مقدمهم سيد شهداء الأمة، ظنًّا منه أنه بات قادرًا على مسح هذه البيئة المقاوِمة من الجغرافيا والذاكرة.
إن مستقبل الأمة، كما أراده الشهداء القادة، ليس مستقبل استسلام أو انتظار، بل مستقبل فعل وبناء. فالشهداء لم يقدّموا دماءهم ليُكتفى بتخليدهم، بل ليكونوا نبراسًا دائمًا في مسار القرار والموقف. وفي هذا السياق نعود دائمًا وأبدًا إلى وصية سيدنا وقائدنا وشهيدنا الأسمى والأقدس السيد حسن نصر الله: “وحق الشهيد علينا، أن نحمل دمه، ورايته وأن نحمل أهدافه ونمضي إلى الأمام بعزم راسخ وإرادة وإيمان وعشق للقاء الله”، وهو الذي علمنا، في حضوره وشهادته، أن نؤمن بأن من يصنع النصر لا يغيب، وأن الدم الذي رسم طريق الانتصارات الماضية، هو ذاته الذي يرسم معالم المستقبل، مهما بلغت التحديات والتضحيات.