يدخل لبنان مرحلة مفصلية مع اقتراب الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026، فيما يتصاعد الجدل حول قانون الانتخاب وسط عجز واضح داخل مجلس النواب اللبناني عن إنتاج توافق سياسي يفضي إلى تعديله أو تثبيته بصيغته الحالية. هذا التعثر لا يعكس خلافًا تقنيًا حول آلية احتساب المقاعد أو توزيع الدوائر فحسب، بل يكشف عمق الانقسام حول مستقبل التوازنات السياسية في البلاد.
القوى المتصارعة تدرك أن أي تعديل في القانون يعني عمليًا إعادة رسم للخريطة النيابية المقبلة. لذلك يتحول النقاش من سؤال “أي قانون أصلح؟” إلى سؤال “من يربح ومن يخسر؟”. بعض الأطراف يطالب بتعديل الدوائر أو اعتماد صيغ تمنح تمثيلًا أوسع، فيما يتمسك آخرون بالقانون الحالي باعتباره يحفظ التوازنات القائمة ويمنع أي مفاجآت كبرى قد تهز الاصطفافات التقليدية.
في هذا السياق، جاء موقف رئيس المجلس نبيه بري حاسمًا بالتأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في 10 أيار، رافضًا منطق التأجيل حتى في ظل الدعوات التي تستند إلى اعتبارات أمنية في الجنوب.
موقف بري يحمل أكثر من رسالة: أولها أن المسّ بالمواعيد الدستورية يفتح بابًا خطيرًا على أعراف قد تتحول إلى قاعدة، وثانيها أن الاستحقاق الانتخابي يجب أن يبقى فوق الحسابات الظرفية، مهما تعقدت الظروف.
غير أن دعوات التأجيل، وإن بدت محصورة بإطار أمني، تخفي في طياتها هواجس سياسية. فالوضع في الجنوب، مع ما يحمله من توتر دائم واحتمالات تصعيد، يُستخدم حجة من جهة، ووسيلة ضغط من جهة أخرى. وهنا يصبح السؤال: هل الأمن سبب حقيقي للتأجيل أم ورقة تفاوض لتحسين شروط المشاركة؟
المفارقة أن جميع القوى تعلن تمسكها بالديمقراطية وبحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم، لكنها تختلف جذريًا حول قواعد اللعبة. البعض يرى أن أي تعديل متأخر يشكل ضربًا للاستقرار القانوني ويؤدي إلى فوضى تشريعية، فيما يعتبر آخرون أن الإبقاء على قانون يعتبرونه غير عادل يُكرّس الخلل بدل إصلاحه.
الخطر الأكبر لا يكمن في الاختلاف بحد ذاته، بل في استمرار الشلل. فلبنان الذي خرج قبل سنوات من فراغات رئاسية وحكومية متتالية، لا يحتمل أزمة جديدة تطال شرعية السلطة التشريعية. التأجيل سيضع البلاد أمام إشكالية دستورية وأزمة ثقة إضافية، في وقت يعاني فيه المواطن من أعباء اقتصادية خانقة وفقدان شبه كامل للثقة بالطبقة السياسية.
الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق دوري، بل اختبار لقدرة النظام السياسي على إعادة إنتاج نفسه ضمن قواعد واضحة. فإذا جرت في موعدها، تكون رسالة بأن المؤسسات ما زالت قادرة على الصمود رغم العواصف. أما إذا دخلت دوامة التأجيل أو التعديل اللحظي، فسيُفتح الباب أمام مرحلة جديدة من اللايقين السياسي.
هكذا يقف لبنان أمام مفترق دقيق: إما تثبيت موعد أيار كخط أحمر يؤكد احترام الدستور، أو الانزلاق إلى مساومات قد تعمّق الانقسام وتُضعف ما تبقى من ثقة داخلية وخارجية. وفي الحالتين، ستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كان الخلاف حول القانون صراعًا على الإصلاح، أم صراعًا على السلطة بأدوات دستورية.