في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح نافذة التواصل مع إيران، معلنًا أن واشنطن أجرت «محادثات جيدة للغاية» مع طهران. عبارة قصيرة، لكنها محمّلة بدلالات سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، وتكشف عن محاولة أميركية لإعادة ترتيب أوراقها في منطقة تتغيّر توازناتها بسرعة، وتضيق فيها هوامش المناورة أمام صناع القرار في البيت الأبيض.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التصريح عن واقع سياسي مأزوم تعيشه الإدارة الأميركية، التي تحاول إدارة أكثر من ملف مشتعل في وقت واحد، من الحرب في أوكرانيا، إلى التوترات في الشرق الأوسط، وصولًا إلى الملف النووي الإيراني. وتبدو واشنطن اليوم أمام حاجة ملحّة لخفض مستوى التوتر مع طهران، ولو مرحليًا، لتجنّب اتساع رقعة المواجهة في الإقليم.
في المقابل، تتعامل إيران مع أي حديث عن محادثات مع الولايات المتحدة بحذر بالغ. فالتجربة السابقة، ولا سيما الانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق النووي، ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية الإيرانية، ورسّخت قناعة بأن الخطاب الأميركي، مهما بدا إيجابيًا، يبقى ناقصًا ما لم يُترجم عمليًا برفع العقوبات والالتزام بتعهدات واضحة.
وتشير أوساط سياسية إلى أن توصيف «المحادثات الجيدة» لا يعكس بالضرورة حدوث اختراق فعلي، بل قد يندرج ضمن إطار تبادل الرسائل وشراء الوقت في مرحلة يسعى فيها الطرفان إلى تفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. فواشنطن تريد تهدئة تتيح لها إدارة أزماتها المتعددة بأقل الخسائر الممكنة، فيما تسعى طهران إلى تثبيت معادلة الردع وحماية موقعها الإقليمي دون تقديم تنازلات مجانية.
ويبقى السؤال المركزي مطروحًا: هل تشكّل هذه المحادثات بداية لمسار تفاوضي جدي، أم أنها مجرد حلقة جديدة من الدبلوماسية الكلامية التي اعتادت عليها العلاقات الأميركية – الإيرانية؟ حتى الآن، لا مؤشرات حاسمة. المؤكد فقط أن المنطقة تقف عند مفترق حساس، وأن أي تطور في هذا الملف سيترك أثره على مجمل التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة.