لم تعد قضايا الأخلاق في السياسة شأنًا ثانويًا، بل باتت معيارًا كاشفًا لطبيعة المشاريع التي تحكم العالم وتوجّه مساراته. وتُعدّ قضية جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا فجاجة في كشف التناقض العميق بين الخطاب الغربي المعلن حول الحريات وحقوق الإنسان، وبين الممارسة الفعلية لمنظومة تحمي الجريمة حين يكون مرتكبوها من أصحاب النفوذ. وفي المقابل، يطرح محور المقاومة نفسه كمشروع تحرري ذي بعد عقائدي وأخلاقي، ما يفتح الباب أمام مفارقة تستحق التوقف عندها.
قضية إبستين لم تكن حادثة جنائية عابرة، بل نافذة على شبكة معقّدة من المصالح السياسية والمالية والإعلامية. شبكة سمحت باستغلال قاصرات على مدى سنوات، وتواطأت بالصمت، ووفّرت الحماية، ثم انتهت بإغلاق ملف العدالة تحت عنوان الانتحار داخل أحد أكثر السجون تحصينًا في العالم. الأخطر من الجريمة ذاتها كان الإفلات شبه الكامل من المحاسبة، وهو ما حوّل القضية من فضيحة فرد إلى فضيحة منظومة.
هذه المنظومة التي ترفع راية الحرية وحقوق الإنسان، بدت عاجزة أو غير راغبة في محاسبة نخبتها. فالحرية هنا لا تُفهم كقيمة إنسانية جامعة، بل كامتياز طبقي نفوذي، يتاح للأقوياء حتى لو كان ثمنه انتهاك الأضعف. أما القانون، فيتحول من أداة عدالة إلى أداة انتقائية، تفعّل سياسيًا وتجمّد أخلاقيًّا.
في الجهة المقابلة، يقدّم محور المقاومة خطابًا مختلفًا في تعريف الحرية. فهو لا يطرحها بوصفها انفلاتًا وتحررًا من كل قيد، بل باعتبارها تحررًا من الهيمنة والتبعية ومن الاحتلال، ومن تحويل الإنسان إلى سلعة. الحرية في هذا الخطاب مرتبطة بالكرامة وبسقف أخلاقي واضح، حتى وإن اختلفت الآراء حول آليات التطبيق أو الممارسات السياسية. وهنا تصبح المفارقة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
تكشف قضية إبستين أن ما يُقدَّم للعالم كنموذج أعلى للحريات قد انحرف إلى نموذج يحمي الفساد إذا كان مرتكبوه من الداخل، بينما يُصدّر خطاب الوعظ الأخلاقي إلى الخارج، وفي زمن تتساقط فيه الأقنعة.
وهنا يظهر جوهر الصراع بين منظومتين: إحداهما تستهلك الإنسان وتستغبيه بشعارات رنانة مزيفة (الحرية الغربية)، والأخرى ترفع قيمة الانسان لتراه المخلوق الأسمى من خلال الفكر الحضاري لحريته الحقيقية .