في كل مرة تعود فيها واشنطن للحديث عن “فرصة تفاوض” مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يظهر التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة. فمن جهة، تروّج الإدارة الأمريكية لفكرة الحلول الدبلوماسية، ومن جهة أخرى تصرّ على لغة التهديد والابتزاز وفرض الشروط، وكأن المطلوب من طهران أن تأتي إلى طاولة المفاوضات مكسورة الإرادة لا شريكًا ندّيًا.
المشكلة الجوهرية لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في الإطار الذي تريده واشنطن لهذا التفاوض. فإيران، منذ انتصار ثورتها الإسلامية قبل سبعة وأربعين عامًا، بنت عقيدتها السياسية على قاعدة الاستقلال ورفض الإملاءات. وبالتالي فإن أي حوار لا يقوم على الاحترام المتبادل والندية والمصلحة المشتركة محكوم بالفشل سلفًا.
أزمة ثقة لا يمكن القفز فوقها
الخطاب الأمريكي، ولا سيما في عهد ترامب، يعكس ذهنية استعلائية تتعامل مع العالم من موقع السيد الآمر. هذه الذهنية أنتجت أزمة ثقة عميقة بين واشنطن وطهران، لا يمكن تجاوزها بمجرد تصريحات إعلامية عن “رغبة في الحل”.
حين يلوّح ترامب بضربات نووية، أو يتحدث عن “عواقب” في حال لم تأتِ إيران إلى طاولة المفاوضات، فهو عمليًا ينسف أي أرضية للحوار. فالتهديد لا يصنع تفاوضًا، بل يصنع اصطفافات ومقاومة وتصلبًا في المواقف. والتجربة التاريخية تؤكد أن إيران لم ترضخ يومًا تحت الضغط، ولن تفعل ذلك اليوم.
الوساطات الدولية: كوابح للجنون الأمريكي
الدول التي تتحرك باتجاه الوساطة لا تفعل ذلك حبًا بإيران أو بأمريكا، بل خوفًا من انفجار إقليمي شامل. فالسلوك الأمريكي التصعيدي، الذي طال فنزويلا ونيجيريا وهدد الأوروبيين وكندا وبريطانيا بسبب علاقاتهم مع الصين، يكشف عن نمط واحد: إدارة أزمات العالم بالعصا الغليظة.
من هنا، يمكن فهم الحراك الدبلوماسي التركي وغيره من التحركات الإقليمية والدولية في إطار محاولة سحب فتيل الحرب، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة ستكون نتائجها كارثية على الجميع.
خطاب القيادة الإيرانية: ردع محسوب لا تهويل
حين تحذر القيادة الإيرانية من أن أي ضربة ستقابل بحرب شاملة، فهي لا تطلق كلامًا للاستهلاك الإعلامي. هذا الموقف مبني على تقديرات دقيقة للقدرات العسكرية، ولطبيعة الردود الممكنة، ولتوازنات الإقليم.
الرسالة واضحة: لا يمكن لواشنطن أن تنفذ “ضربة محدودة” وتغلق الملف. أيّ استهداف للسيادة الإيرانية سيُنظر إليه كاعتداء على الدولة، وسيستدعي ردًا يتجاوز الحسابات الضيقة.
الشروط الأمريكية: مشروع استسلام لا تسوية
عندما تطرح واشنطن شروطًا من قبيل:
نووي صفر
تفكيك برنامج الصواريخ
وقف دعم حركات المقاومة
القبول بالتطبيع والاندماج في “السلام الإبراهيمي”
فهي لا تتحدث عن تسوية، بل عن إعادة هندسة هوية إيران السياسية والعقائدية. هذه الشروط تعني عمليًا مطالبة إيران بالتخلي عن جوهر مشروعها الاستقلالي، وهذا أمر غير قابل للنقاش من الأساس.
أما إذا حُصر التفاوض بالملف النووي فقط، ضمن ضمانات واضحة ومتبادلة، فإن طهران لا تمانع الحوار، بل تؤكد أنها لا تسعى إلى الحرب.
السيناريوهات المحتملة
المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة احتمالات:
1.استهداف محدود لمنشآت نووية
2.استهداف قيادات أو مواقع عسكرية
3.حرب إقليمية واسعة
لكن جميع هذه السيناريوهات تصطدم بحقيقة واحدة: أي ضربة ستؤدي إلى رد إيراني، وقد تتدحرج بسرعة إلى مواجهة شاملة لا يمكن التحكم بمسارها.
بعد فشل محاولات زعزعة الداخل الإيراني عبر الحرب الهجينة والاضطرابات، تبدو واشنطن وحلفاؤها أمام مأزق استراتيجي حقيقي. فالضغط لم يحقق أهدافه، والتهديد لم يكسر الإرادة، والحرب ستكون كلفتها أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال.
خلاصة
الطريق الوحيد الواقعي يمر عبر الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مستقلة، والتعامل معها على قاعدة الشراكة لا الوصاية. أما استمرار واشنطن في سياسة العصا والإنذارات، فلن ينتج إلا مزيدًا من التوتر، وقد يقود إلى انفجار لن يكون أحد بمنأى عن نيرانه.
بين منطق التهديد ومنطق العقل، لا تزال الكرة في الملعب الأمريكي. فإما تفاوض يحترم الندية، أو صراع تتسع دوائره إلى ما لا نهاية.