لم تمرّ ساعات على إعلان الشيخ نعيم قاسم دعمه لإيران، في سياق حديث سياسي واضح ربط فيه هذا الدعم بخيارات إقليمية وبموقع إيران في معادلة الصراع في المنطقة، حتى انطلقت حملة صاخبة ضده، حملة لا تشبه نقاشًا سياسيًا بقدر ما تشبه انفجارًا انفعاليًا جماعيًّا، اختلط فيه الغضب بالتحريض، والادّعاء بالتضليل. بدا وكأن مجرّد تسمية الأمور بأسمائها، كما فعل الشيخ في خطابه الأخير، تحوّل إلى استفزاز بحد ذاته، لا إلى مادة للنقاش. وجرى استدعاء لغة التخوين وكأنها الردّ الوحيد المتاح، من دون أي محاولة جادة للتوقف عند مضمون الكلام أو السياق الذي ورد فيه.
ما جرى ليس اختلافًا سياسيًا، بل هروب واضح من السياسة. فالشيخ نعيم قاسم لم يقدّم طرحًا ملتبسًا، ولم يوارِ موقفه خلف عبارات رمادية، بل قال بوضوح إن دعمه لإيران نابع من دورها السياسي والعسكري في المنطقة ومن موقعها في محور يراه جزءًا من معركة أوسع. هذا الموقف ليس سرًّا، ولا طارئًا، ولا منفصلًا عن تاريخ طويل من الخطاب السياسي المعلن لدى حزب الله والذي تكرر في العديد من الخطابات وأبرزها في خطابات السيد الأسمى . هو موقف ثابت، معلن، ومتّسق مع خط عقائدي سياسي معروف، لكن خصومه اختاروا التصرّف وكأنهم اكتشفوا فضيحة، في مشهد يشي بفقر التحليل، لا بخطورة التصريح، وبعجز عن التعامل مع خطاب واضح لا يحتمل الالتفاف كما يفعل الطرف الاخر .
واللافت أن الهجوم لم يتناول جوهر ما قاله الشيخ: لم يناقش توصيفه لدور إيران في المنطقة، ولا منطقه في اعتبار هذا الدور عنصر قوة في معادلة إقليمية محددة، ولا حتى تداعيات هذا الخيار سياسيًا بحيث إن إيران هي ضمان استمرارية “المقاومة” بوجه إسرائيل . بدل ذلك، انحدر الخطاب سريعًا إلى شخصنة رخيصة، وكأن المشكلة ليست في الأفكار المطروحة بل في صاحبها. هذا الأسلوب لا يدل إلا على عجز عن المواجهة الفكرية، حيث يُستبدل النقاش السياسي بسيل من الاتهامات الجاهزة والشعارات المستهلكة، في محاولة لإغلاق النقاش بدل فتحه.
وتتجلى قمة التناقض في ازدواجية المعايير، فحين يعبّر طرف سياسي عن تحالفاته الإقليمية بصراحة، كما فعل الشيخ نعيم قاسم، يُتهم بالارتهان والخيانة، بينما تُسوَّق تحالفات أخرى مع قوى إقليمية ودولية مختلفة بوصفها حكمة سياسية عندما تخدم فريقًا معيّنًا. هنا لا يكون الخلاف على مبدأ التحالف نفسه، بل على هوية الحليف، وهو ما يحوّل النقاش من سياسة إلى اصطفاف أعمى.
الأدهى أن بعض المنابر التي تصدّرت الهجوم، وادّعت الدفاع عن السيادة والاستقلال ردًا على كلام الشيخ، هي نفسها التي تبرّر أشكالًا أخرى من الارتهان السياسي والاقتصادي، وتغضّ الطرف عن تبعيات واضحة لقوى خارجية مختلفة بالرغم من إذلالهم . في هذا السياق، لا يعود مفهوم السيادة مبدأً جامعًا، بل أداة انتقائية تستخدم لمهاجمة خصم سياسي حين يصرّح بما يؤمن به.
في النهاية، ما كتب وقيل ضد الشيخ نعيم قاسم بعد تصريحه لا يعبّر عن قوة معارضة تمتلك قراءة بديلة لما قاله، بل عن ارتباكها أمام خطاب مباشر لا يختبئ خلف المجاملات. فالمواقف الواضحة، كالموقف الذي عبّر عنه الشيخ، تواجه بالحجج والتحليل، لا بالصراخ والتخوين. أما الحملات الهستيرية، فغالبًا ما تكون الدليل الأقوى على غياب المشروع، لا على خطورته.