مقدّمة: ترامب كظاهرة لا كرئيس
لم يكن دونالد ترامب مجرّد رئيس أميركي عابر، بل مثّل تحوّلًا نوعيًا في طبيعة السلطة داخل النظام الأميركي نفسه. فمع وصوله إلى البيت الأبيض، لم تتغير السياسات فقط، بل تغيّرت لغة الحكم، ومنطق اتخاذ القرار، والعلاقة بين القائد والمؤسسات، وبين السلطة والجمهور.
لهذا، لم يعد كافيًا التعامل مع ترامب بوصفه فاعلًا سياسيًا تقليديًا، بل بات من الضروري مقاربته كـ حالة نفسية–سياسية تعكس تحولات أعمق داخل المجتمع الأميركي، وتؤثر مباشرة في توازنات النظام الدولي.
هذا النص لا يقدّم تشخيصًا طبيًا، بل قراءة تحليلية تستند إلى دراسات في القيادة، وتحليل الخطاب، وعلم النفس السياسي، لفهم كيف حكم ترامب، ولماذا تصرّف كما تصرّف.
النرجسية السياسية: الذات في مركز الدولة
تجمع غالبية الأدبيات التحليلية على أن النرجسية السياسية تشكّل حجر الزاوية في فهم شخصية ترامب. لا بوصفها مرضًا، بل كنمط حكم. فترامب لا يرى الدولة كمنظومة مؤسسات، بل كامتداد مباشر لصورته الشخصية. نجاح أميركا هو نجاحه، وأي نقد للسياسات يُترجم لديه كإهانة شخصية. هذا ما يفسّر تمركز خطابه حول «أنا بدل «نحن»، وعداءه المزمن للإعلام، ورفضه الاعتراف بالفشل حتى في أكثر الأزمات وضوحًا.
كتاب Psychoanalytic and Historical Perspectives on the Leadership of Donald Trump يوضح أن هذه النرجسية لم تكن عرضًا جانبيًا، بل أداة سلطة، تُستخدم لحشد القاعدة الشعبية وتبرير القرارات التصعيدية.
السياسة كصراع هيبة لا كإدارة مصالح
من منظور نفسي–سياسي، ينتمي ترامب إلى نمط القادة الذين يرون السياسة ساحة صراع لا حقل تسويات. والعالم عنده مقسوم بوضوح: قوي/ضعيف، رابح/خاسر، صديق/عدو. لهذا فهو لا يعترف بمنطق «الشراكة مع الحلفاء» ويرى أن التنازل ضعف، ويُعلي من شأن الردع اللفظي والرمزي.
هذا يفسّر توتر علاقته بأوروبا، وتصعيده المستمر مع الصين وإيران، وإعجابه بقادة سلطويين يُجسّدون نموذج «الرجل القوي». في هذا السياق، تبدو سياساته أقل فوضوية مما يُشاع، وأكثر انسجامًا مع بنية نفسية ترى الهيبة الشخصية جزءًا من الأمن القومي.
الحدس بدل المؤسسة: صدام مفتوح مع الدولة العميقة
من أبرز سمات عهد ترامب صراعه مع المؤسسات الأميركية التقليدية. لم يثق بالاستخبارات، ولا بالدبلوماسية، ولا بالخبراء، مفضّلًا حدسه الشخصي ودائرة ضيقة قائمة على الولاء. وتوثّق كتب مثل The Divider كيف تحوّل هذا النهج إلى حالة شبه دائمة من الاشتباك داخل الدولة الأميركية، وأدّى إلى: قرارات مفاجئة وإقالات متكررة وتقويض تدريجي لآليات صنع القرار الجماعي.
نفسيًا، يعكس هذا السلوك شعورًا متضخمًا بالكفاءة الذاتية، واعتقادًا بأن المؤسسات تعيق «القائد الحقيقي» بدل أن تدعمه.
الشعبوية كعلاقة نفسية مع القاعدة
لم يخاطب ترامب قاعدته بوصفها ناخبين، بل بوصفها جماعة شعورية ترى فيه تمثيلًا لغضبها من النخب، ومن العولمة، ومن تراجع الهيمنة الأميركية. وعلاقته بجمهوره ليست سياسية فقط، بل هوياتية. هو «واحد منهم» في مواجهة «النظام». لهذا صمد دعمه الشعبي رغم الفضائح، ورغم الهزائم الانتخابية، ورغم المحاكمات.
هذا النمط من الشعبوية، كما تشير دراسات Journal of Political Psychology، يقوم على الولاء العاطفي أكثر من الاقتناع البرنامجي.
المخاطرة والتصعيد: الاقتراب من الهاوية كأداة تفاوض
يُظهر ترامب ميلًا مرتفعًا للمخاطرة، وهو نمط مستمد من عالم الأعمال أكثر منه من تقاليد السياسة.
فهو في السياسة الخارجية: يرفع السقف إلى أقصى حد، ويهدّد بالحرب، ثم يفتح باب التفاوض.
هذا ما ظهر في تعاطيه مع كوريا الشمالية، ومع الصين تجاريًا، ومع إيران عبر سياسة «الضغط الأقصى». واللافت أن ترامب لا يسعى بالضرورة إلى الحرب، لكنه لا يخشاها نفسيًا، ويستخدم شبحها لتحصيل مكاسب سياسية ورمزية.
عقلانية مشوّهة لا جنون سياسي
على عكس الخطاب الإعلامي السائد، لا تشير الدراسات الجدية إلى أن ترامب «غير عقلاني»، بل إلى أنه شخصاني في عقلانيته. وهو يحسب الربح والخسارة، لكن وفق معايير مختلفة: كيف سيبدو القرار أمام جمهوه؟ وهل يعزز صورته كرجل قوي؟ وهل يمكن تسويقه كانتصار؟ في هذا الإطار، يصبح التراجع ممكنًا، شرط ألا يُقدَّم كهزيمة.
خاتمة: ترامب مرآة أميركا لا استثناء عنها
في المحصلة، لا يمكن فصل شخصية ترامب عن السياق الأميركي الأوسع. هو ليس خللًا طارئًا، بل نتاج أزمة بنيوية في النظام السياسي، وتعبير عن غضب اجتماعي–اقتصادي عميق.
ترامب غير متوقع سياسيًا، نعمن لكنه متوقع نفسيًا، وهنا تكمن خطورته: في قدرته على تحويل الغرائز، والهيبة، والصورة، إلى أدوات حكم، في عالم باتت فيه السياسة أقل عقلانية، وأكثر ارتباطًا بالشخصيات.
مراجع أساسية
• Volkan et al., Psychoanalytic and Historical Perspectives on the Leadership of Donald Trump
• Baker & Glasser, The Divider
• Foreign Affairs
• The Atlantic
• Journal of Political Psychology
• Leadership Quarterly