هل الجنوب أرض فلسطينية؟

الجنوب لا يُقصف لأنه خطأ جغرافي، بل لأنه خط تماسّ دائم مع عدو لا يحترم سيادة ولا ينتظر شرعية. قرى تُستهدف، بيوت تُسوّى بالأرض، وأهالٍ ينامون على صوت الطائرات فيما الدولة غائبة، أو حاضرة فقط في بيانات الشجب.

هذا الجنوب، قطعة أساسية من لبنان، يُطلب منه دائمًا أن يدفع الثمن الأعلى. يُقصف أولًا، ثم يُحاسَب سياسيًا، ثم يُطالب بالصبر، وأخيرًا يُسأل عن سلاحه، كأن المشكلة ليست في العدوان بل في من يحتمي منه.
تحت شعار “السيادة”، تُختصر المأساة بنقاش تقني: متى يُسلَّم السلاح؟ لكن أحدًا لا يجرؤ على طرح السؤال الحقيقي: من يحمي الجنوب؟ وأين الدولة التي يُفترض أن تتولى هذه المهمة لا بالكلام بل بالفعل؟

الحديث عن تسليم السلاح يأتي فيما الحدود تُخترق يوميًا، والسماء مفتوحة للطائرات المعادية، والبيوت ليست محصّنة لا بقرارات دولية ولا بضمانات خارجية. أهل الجنوب لا يناقشون الأمن كنظرية، بل كواقع يومي يُعاش تحت النار.

إذا كان السلاح موجودًا اليوم، ومع ذلك لا تتردّد إسرائيل في القصف والخرق والتهديد، فكيف سيكون الحال إن سُلِّم السلاح؟ إذا كانت لا تهابه وهو قائم، فهل ستخشاه حين يُنزَع؟ أم أن الجنوب سيُترك مكشوفًا بالكامل، بلا ردع، بلا حساب، وبلا قدرة على قول «توقّف»؟

المنطق يقول إن ما لا يُردَع بالقوة، لا يُردَع بالنيات، وما لا تحميه الدولة فعليًا، لا يمكن أن يُطلب من أهله أن يسلّموه للأوهام. الجنوب لا يثق بالوعود، لأنه جرّب الاحتلال، وذاق التخلي، ودفع وحده ثمن كل فراغ سياسي.

وفي قلب هذه المأساة، يبقى السؤال الأخطر: أين رئيس الجمهورية؟ أين الرئيس الذي أقسم على حماية الشعب وصون السيادة؟ كيف تُفهم السيادة فيما الجنوب يُقصف، والقرى تُهجَّر، والناس تُترك لمصيرها؟

السيادة ليست شعارًا يُرفع عند الخصومة السياسية، ولا سيفًا يُشهر في وجه الداخل فقط. السيادة تبدأ من حماية الإنسان، من تأمين الحد الأدنى من الأمان لمن يعيش على الحدود، لا من مطالبته بالتجرّد من وسائل صموده.

الجنوب لا يطلب امتيازًا، ولا يبحث عن دور بطولي. يطلب فقط ألّا يكون مكشوفًا، ألّا يكون هو الثمن الدائم لكل عجز سياسي ولكل فشل في بناء دولة قادرة. هذا الجنوب، الذي صمد وما زال، لم يفقد صوته ولن يفقد ذاكرته. ومن يتجاهل أوجاعه اليوم تحت عناوين براقة، سيكتشف أن وطنًا يُترك حدّه بلا حماية، لا تحميه الكلمات ولا تنقذه الشعارات. والسؤال يبقى، أقسى من أي خطاب: من لا يحمي الجنوب اليوم، كيف يحمي لبنان؟

جنوب لبنانلبنان