أوروبا وواشنطن على مفترق طرق: من أزمة غرينلاند إلى ارتدادات الأسواق المالية العالمية

لم تعد الخلافات الأخيرة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية مجرّد تباينات عابرة في وجهات النظر داخل التحالف الغربي، بل باتت تعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي. فالمواقف التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما تلك المتعلقة بجزيرة غرينلاند والتهديدات المصاحبة لها بفرض رسوم جمركية على أوروبا، فتحت الباب أمام أسئلة استراتيجية تتجاوز السياسة إلى الأمن والاقتصاد والأسواق المالية.

هذه التطورات تضع العالم أمام مرحلة جديدة تتسم بارتفاع منسوب عدم اليقين، وتفرض على أوروبا وواشنطن، وكذلك على المستثمرين والأسواق، إعادة تقييم افتراضات كانت راسخة لعقود.

أولًا: البعد السياسي – تآكل الثقة داخل التحالف الغربي

يرى خبراء العلاقات الدولية أن أزمة غرينلاند ليست بذاتها جوهر الخلاف، بل هي عرض لأزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع حلفائها. فأسلوب الضغط العلني، والربط بين قضايا السيادة الأوروبية والملفات التجارية، كسر قواعد غير مكتوبة لطالما حكمت العلاقة بين ضفتي الأطلسي.

التقديرات السياسية تشير إلى أن أوروبا لن تقطع علاقاتها بواشنطن، لكنها ستسعى إلى تقليص درجة الارتهان السياسي لها. والخطاب الأوروبي حول “الاستقلالية الاستراتيجية” لم يعد مجرد شعار، بل أصبح إطارًا عمليًا للنقاش داخل مؤسسات الاتحاد. في المقابل، تراهن واشنطن على ثقلها العسكري والاقتصادي لفرض معادلة تفاوض جديدة تقوم على مبدأ “المصلحة أولًا”. هذا الواقع يشي بأن العلاقة ستنتقل من مرحلة التحالف شبه المطلق إلى شراكة مشروطة ومليئة بالاختبارات.

ثانيًا: الأمن والدفاع – الناتو أمام اختبار المصداقية

في المجال الأمني، شكّلت التوترات الأخيرة عامل تسريع لنقاش أوروبي قديم: هل يمكن لأوروبا الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن دائم لأمنها؟ تقديرات الخبراء العسكريين تشير إلى ثلاثة مسارات محتملة:

1 – استمرار الناتو مع إعادة توزيع الأعباء، حيث تزيد أوروبا إنفاقها الدفاعي لتقليل الضغوط الأميركية.

2 – تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة داخل الاتحاد، مع بقاء الناتو إطارًا عامًا لا أكثر.

3 – تآكل تدريجي لدور الناتو السياسي مقابل تحوله إلى تحالف تقني-عسكري محدود.

ويرجّح معظم المحللين أن المسار الثاني هو الأقرب، خصوصًا في ظل إدراك أوروبي متزايد بأن الاعتماد الكلي على القرار الأميركي بات يحمل مخاطر استراتيجية.

ثالثًا: الاقتصاد والتجارة – من الشراكة إلى سياسة الحذر

اقتصاديًا، كانت التهديدات بفرض رسوم جمركية بمثابة جرس إنذار للأسواق والشركات الأوروبية. فالعلاقات التجارية بين الطرفين تُعد من الأكبر عالميًا، وأي تصعيد فيها ينعكس مباشرة على: سلاسل الإمداد العالمية وكلفة الإنتاج ومعدلات النمو في القطاعات الصناعية.

 وتوقعات المؤسسات الاقتصادية تشير إلى أن: أي حرب تجارية محدودة قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الأوروبي والأميركي معًا. كما أن الشركات الكبرى ستكثف جهود تنويع الأسواق والبحث عن شركاء خارج الفضاء الأطلسي، وقد يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تسريع اتفاقاته التجارية مع آسيا وأمريكا اللاتينية لتقليل المخاطر.

رابعًا: انعكاسات مباشرة على الأسواق المالية

1. أسواق الأسهم: تقلبات حادة وحساسية للخطاب السياسي

شهدت الأسواق المالية موجات تذبذب واضحة مع كل تصعيد أو تهدئة في الخطاب الأميركي-الأوروبي. ويجمع خبراء المال على أن الأسواق باتت تتفاعل مع التصريحات السياسية أكثر من المؤشرات الاقتصادية التقليدية، وأن القطاعات المرتبطة بالتجارة الدولية (الصناعة، السيارات، التكنولوجيا) هي الأكثر عرضة للتقلب. وإن أي إشارات تهدئة تؤدي عادة إلى ارتداد سريع في المؤشرات، ما يدل على أن القلق نفسي-سياسي بقدر ما هو اقتصادي.

2. الملاذات الآمنة: الذهب والسندات في الصدارة

في فترات التصعيد، يتجه المستثمرون إلى: الذهب والسندات الحكومية وبعض العملات الآمنة، وهو ما يعكس تزايد القلق من تحوّل التوترات السياسية إلى صدمات اقتصادية أوسع.

خامسًا: العملات وأسواق النقد – تراجع اليقين بالدولار

رغم مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، إلا أن التوترات الأخيرة ساهمت في زيادة تذبذب الدولار أمام العملات الرئيسية، وتحسن نسبي في أداء اليورو خلال فترات تراجع حدة التصريحات، وارتفاع الطلب على عملات مثل الفرنك السويسري كأدوات تحوّط. ويرى خبراء النقد أن هذه التحركات لا تعني نهاية هيمنة الدولار، لكنها تعكس تآكلًا تدريجيًا في صورته كملاذ آمن مطلق في أوقات التوتر السياسي الأميركي.

سادسًا: سيناريوهات الخبراء للمرحلة المقبلة

1 – سيناريو التصعيد

ارتفاع كبير في تقلبات الأسواق

تراجع مؤشرات الأسهم

زيادة الطلب على الأصول الآمنة

ضغوط إضافية على النمو العالمي

2 – سيناريو الاحتواء والتهدئة

تعافٍ تدريجي للأسواق

استقرار نسبي للعملات

عودة التركيز إلى العوامل الاقتصادية الأساسية

الغالبية ترجّح أن عام 2026 سيشهد مزيجًا من السيناريوهين، مع انتقال العالم بين التوتر والتهدئة دون حسم نهائي.

الختام:

تكشف أزمة غرينلاند وما تلاها من توترات أن العلاقة بين أوروبا وواشنطن تدخل مرحلة إعادة تعريف تاريخية. فهي لم تعد قائمة على الثقة المطلقة، ولا وصلت بعد إلى القطيعة. وبين هذين الحدّين، تتحرك السياسة، ويترنح الاقتصاد، وتراقب الأسواق كل تصريح باعتباره مؤشرًا لمستقبل غير محسوم.

في عالم يتجه نحو تعددية قطبية واضطراب جيوسياسي متزايد، يبدو أن التحالفات القديمة لم تعد مسلّمات، بل باتت ملفات مفتوحة على إعادة التفاوض — سياسيًا، عسكريًا، وماليًا.

الولايات المتحدةاوروباترامبغرينلاندواشنطن