في خضمّ ما أُثير حول الداخل الإيراني، كان خطاب سماحة الإمام السيد علي الخامنئي واضحًا وحاسمًا: ما يجري ليس معزولًا عن المشروع الأميركي-الصهيوني في المنطقة. سماحته لم يتعامل مع الأحداث بوصفها أزمة داخلية محضة، بل وضعها في سياقها الحقيقي، باعتبارها إحدى أدوات الحرب المركّبة التي تُشنّ على الجمهورية الإسلامية منذ انتصار ثورتها.
حين يؤكد الإمام الخامنئي أن أميركا رأس الحقد على إيران، وأن “إسرائيل” ليست سوى قاعدة متقدمة لتنفيذ هذا الحقد، فهو لا يطلق توصيفًا دعائيًا، بل يقدّم قراءة استراتيجية لطبيعة الصراع. فالدولة التي فشلت واشنطن في تطويعها بالعقوبات، وفشلت “تل أبيب” في كسر حضورها عبر الاغتيالات والحروب غير المباشرة، كان لا بد من استهدافها من الداخل، عبر محاولة تفجير الثقة بين الدولة وشعبها.
كلام القائد عن أن العدو يضخّم الأحداث ويهوّلها ليصنع صورة دولة متآكلة، يشكّل مفتاح فهم ما حصل. لم يكن المطلوب احتجاجًا بحد ذاته، بل صورة انهيار. ولم يكن الهدف تحسين واقع المواطن، بل انتزاع إيران من موقعها كقلب نابض لمحور المقاومة. من هنا جاء التحريض الإعلامي الغربي، والاستنفار الصهيوني، والرهان على شارع يُدفع إلى ما بعد مطالبه.
وفي مقابل هذا المشروع، شدد القائد على أن الأمة الإيرانية أظهرت مرارًا أنها قادرة على التمييز بين المطالب المحقة وبين الفتنة المصنّعة. هذا التمييز هو ما أفشل المخطط. فإيران التي تواجه أميركا لا تفعل ذلك من برجٍ عاجي، بل من مجتمع خبر المواجهة، ويدرك أن سقوط دولته يعني فتح الأبواب أمام الهيمنة والنهب والفوضى، كما حصل في أكثر من نموذج عربي.
خطاب الإمام الخامنئي لم يكن خطاب تحدٍ فارغ، بل تثبيت معادلة: أميركا هي الخصم الأساسي، و”إسرائيل” عدو وجودي، وأي اضطراب داخلي يُقرأ ضمن هذه المعادلة. لذلك جاء التعامل الإيراني مع الأحداث منسجمًا مع هذا الفهم؛ ضبطٌ لا سحق، احتواءٌ لا تنازل، وحزمٌ يمنع الانزلاق إلى السيناريو الذي تريده واشنطن وتصفّق له “تل أبيب”.
تحليليًا، ما قاله سماحته أعاد توجيه البوصلة نحو جوهر الصراع. فإيران لا تُحاكم وفق معايير “الرضا الغربي”، ولا تقيس استقرارها برأي مراكز أبحاث أميركية. هي دولة ترى أن كرامتها الوطنية واستقلال قرارها جزء من أمنها القومي، وأن أي تساهل أمام الضغوط الأميركية – الصهيونية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز.
في النتيجة، لم يكن الخطاب تعبيرًا عن أزمة، بل إعلان ثبات. ثبات دولة تعرف أن معركتها طويلة، وأن أميركا و”إسرائيل” لن تتوقفا عن استهدافها، لكنهما أيضًا عاجزتان عن كسرها. وبين الشارع والعدو، اختارت إيران أن تحمي شعبها من الفتنة، وتحمي المقاومة من الوهم.