في منطقة تُعد شريان الطاقة العالمي، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ فقط، بل بحجم الصدمة الاقتصادية التي تتركها. فمع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يزداد القلق في دول الخليج العربي من تداعيات أي مواجهة عسكرية محتملة، سواء كانت محدودة أو واسعة النطاق.
هذا القلق مبرر، إذ تقع دول الخليج في قلب المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية، وتتحكم بممرات بحرية تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
النفط.. المستفيد الظاهري والخاسر الحقيقي
في أي تصعيد عسكري بالمنطقة، يكون النفط أول من يتفاعل. فمجرد التلويح بالحرب كفيل برفع الأسعار نتيجة مخاوف الإمدادات. وفي حال اندلاع مواجهة محدودة، قد ترتفع الأسعار إلى مستويات مريحة لدول الخليج، ما يعزز الإيرادات الحكومية على المدى القصير.
لكن هذا “المكسب” يبقى ظاهريًا وهشًا. فكلما توسع نطاق الحرب، تحولت أسعار النفط المرتفعة من نعمة إلى عبء، خاصة إذا تعرّضت الموانئ أو خطوط التصدير أو الملاحة البحرية للخطر. فالنفط المرتفع السعر لا قيمة له إذا تعذر تصديره.
سيناريوهات الصراع.. ونتائج متباينة
1 – مواجهة محدودة: خسائر يمكن احتواؤها
في حال بقي النزاع ضمن ضربات محدودة وغير مباشرة، ستواجه أسواق الخليج حالة من التذبذب الحذر. ترتفع أسعار النفط، وتتقلب البورصات، بينما يفضل المستثمرون الانتظار بدل الانسحاب الكامل. التأثير هنا يبقى محدودًا ويمكن للحكومات احتواؤه باستخدام أدواتها المالية.
2 – حرب إقليمية: ضغط على الاقتصاد غير النفطي
أما إذا توسعت العمليات العسكرية وبدأت تهدد الملاحة في الخليج، فإن الكلفة الاقتصادية ترتفع سريعًا. فتكاليف الشحن والتأمين تقفز، وترتفع أسعار السلع المستوردة، بينما تتضرر قطاعات حيوية مثل السياحة والطيران والخدمات.
وفي هذا السيناريو، تتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتتباطأ مشاريع التنويع الاقتصادي، رغم الفوائض النفطية التي قد تحققها بعض الدول.
3 – حرب واسعة: صدمة اقتصادية شاملة
السيناريو الأخطر يتمثل في اندلاع حرب مفتوحة تشمل إغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة. هنا تدخل اقتصادات الخليج والعالم مرحلة صدمة حادة، مع ارتفاع قياسي لأسعار النفط، يقابله تعطّل فعلي في التصدير، وهروب لرؤوس الأموال، وتراجع واسع في النشاط الاقتصادي.
هذا السيناريو لا يعني أرباحًا نفطية، بل خسائر استراتيجية تهدد الاستقرار المالي وخطط التنمية طويلة الأمد.
4 – استنزاف طويل الأمد: الخطر الصامت
وربما يكون السيناريو الأخطر على المدى البعيد هو حرب منخفضة الحدة وطويلة الأمد، حيث تعيش المنطقة في توتر دائم دون انفجار شامل. ففي مثل هذه الأجواء، تتآكل ثقة المستثمرين تدريجيًا، وتتراجع شهية رأس المال العالمي، بينما ترتفع كلفة الأمن والدفاع على حساب التنمية.
الاستقرار.. الثروة الحقيقية لدول الخليج
تُظهر التجارب السابقة أن الاستقرار هو المورد الأهم لدول الخليج، لا النفط وحده. فاقتصادات اليوم لم تعد تعتمد فقط على تصدير الخام، بل على السياحة، والخدمات، والاستثمار، والمشاريع الكبرى التي لا تزدهر إلا في بيئة آمنة ومستقرة. ومن هنا، فإن أي حرب في محيط الخليج تمثل تهديدًا مباشرًا ليس فقط للإيرادات، بل لنموذج التنمية بأكمله.
الخلاصة
قد يبدو ارتفاع أسعار النفط مكسبًا سريعًا في أوقات الأزمات، لكنه في سياق حرب إقليمية يتحول إلى مؤشر خطر لا إلى فرصة. فدول الخليج، رغم قدراتها المالية الكبيرة، ليست بمنأى عن الصدمات الجيوسياسية، وأكبر خسائرها المحتملة تكمن في تعطيل الثقة والاستقرار، وهما أساس أي اقتصاد حديث.