في خضمّ التحوّلات العاصفة التي تشهدها المنطقة، يمرّ الوضع الداخلي الإسرائيلي بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التصدّعات الاجتماعية والأمنية، بما يجعل المشهد أبعد ما يكون عن الاستقرار الذي طالما روّجت له النخب الحاكمة.
أولًا، تعكس الساحة السياسية الإسرائيلية أزمة في النظام السياسي نفسه. فالتعدّد الحزبي الحاد، القائم على تحالفات هشة، حوّل الحكومات المتعاقبة إلى كيانات أسيرة الابتزاز المتبادل بين مكوّناتها. هذا الواقع جعل القرار السياسي خاضعًا لمصالح فئوية ضيّقة، خصوصًا للأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، على حساب ما يُسمّى المصلحة الوطنية.
وتبرز في هذا السياق أزمة العلاقة بين الدين والدولة بوصفها أحد أخطر خطوط الصدع الداخلي. فتصاعد نفوذ التيارات الدينية المتشددة داخل الحكومة والمؤسسات التشريعية أعاد طرح أسئلة وجودية حول طبيعة الدولة: هل هي دولة “يهودية” دينية، أم دولة مدنية ذات طابع قومي؟ هذا الصراع لم يعد فكريًا فحسب، بل بات ينعكس في الشارع، وفي الاحتجاجات، وفي انقسام المجتمع حول القوانين الأساسية وصلاحيات القضاء.
أما على الصعيد الاجتماعي، فتواجه إسرائيل تفككًا داخليًا متزايدًا بين مكوّناتها: يهود شرقيون وغربيون، علمانيون ومتدينون، مستوطنون وسكّان، فضلًا عن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. هذه الانقسامات، التي جرى طمسها طويلًا بحجة الامن عادت لتطفو بقوة مع تراجع الشعور بالأمان وتآكل العقد الاجتماعي غير المعلن بين الدولة ومواطنيها.
أما أمنيًا فتكشف التطورات الأخيرة عن اهتزاز في صورة الردع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. ففشل المؤسسة الأمنية في منع الصدمات الكبرى، وتحمّل الجبهة الداخلية أعباء طويلة الأمد، ولّدا حالة شك غير مسبوقة في كفاءة القيادات العسكرية والسياسية. هذا الشك يترجم في نقاشات حادّة حول المسؤوليات، وفي تصاعد الاتهامات المتبادلة داخل مراكز القرار.
أما من الناحية الاقتصادية، فلا يمكن فصل الوضع الداخلي عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة: كلفة الحروب، تراجع الاستثمارات، هجرة رؤوس الأموال البشرية والتكنولوجية، واتساع الفجوة الطبقية. ورغم بقاء بعض مظاهر القوة الاقتصادية، فإن القلق يتنامى داخل الطبقة الوسطى، التي شكّلت تاريخيًا ركيزة الاستقرار الداخلي.
بالخلاصة يبدو الداخل الإسرائيلي اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نهج التطرّف والانغلاق، بما يحمله من تعميق الانقسامات وإضعاف الدولة من الداخل، أو الانخراط في مراجعة عميقة لطبيعة النظام السياسي والاجتماعي، وهي مراجعة لا تبدو شروطها متوافرة في المدى المنظور. فالدولة التي بُنيت على فكرة “الخطر الخارجي الدائم” تكتشف تدريجيًا أن أخطر أزماتها باتت تنبع من داخلها.