سلاح المقاومة والتبرّع بنزع الردع

قد تكون العودة إلى الحديث عن الأمر نفسه مرّات كثيرة أمرًا مملًّا أو مثيرًا للانتقاد، من باب أن ما قيل قد قيل، ولا مبرّر لإعادة قوله مرّة أخرى. لكن أحيانًا لا بدّ من العودة إلى الكلام نفسه حين يكون الكلام الآخر مثيرًا للاستغراب والدهشة، إن لم نقل مثيرًا لأمور أخرى غير الاستغراب والدهشة.

قد يكون من واجب أي مسؤول رسمي التحدّث ببعض ما لا يتّفق عليه الجميع، وقد يتحدّث في مواضيع يعرف هو نفسه استحالة تحقيقها، لكنه يفعل ذلك لأنّه لا يستطيع غير ذلك.

إعادة إنتاج الخطاب ضرورة لدى بعض المسؤولين، لكن الردّ على هذا الخطاب ضرورة أيضًا، خاصة حين تكون مشكلة البلد فائض ضعف رسمي لا فائض قوة، وحين يُوصَف نزع السلاح بأنه خيار منطقي، فيما هو في الواقع خيار يأخذ البلد إلى مخاطرة مكشوفة، واضحة النهاية.

انتفاء مبرّر وجود سلاح المقاومة!

أن يُقال إن سلاح المقاومة وُجد لظرفٍ ما وانتفى هذا الظرف هو قفزٌ فوق المشهد الحالي. ويمكن قول هذا الكلام فقط لو كان الجنوب غير محتل، ولو كانت الاعتداءات «الإسرائيلية» غير حاصلة يوميًا، برًّا وبحرًا وجوًّا.

وإذا كان الجنوب ولبنان قد شهدا هدوءًا نسبيًا منذ عام 2006، فليس بسبب احترام «إسرائيل» للقرارات الدولية، ولا بسبب احترامها الدولة اللبنانية أو دبلوماسيتها (بسمة ساخرة هنا من دبلوماسية وزير الخارجية القواتي)، بل لأن اللبنانيين عاشوا هذا الهدوء والأمان بفضل توازن الردع بين العدو والمقاومة.

قد يُقال إن هذا الردع زال بعد عام 2024، وإن الضربة التي تلقّتها المقاومة في قياداتها وسلاحها أضعفته، لكن هل يكون الحل بالتخلّي عن هذه المقاومة، أم بالعمل على مساعدتها في استعادة ردعها للعدو، بدل التخلّص من سلاحها أو تفجيره بين يوم وآخر؟

وإن كان لبنان الرسمي عاجزًا، بفعل الضغوط الخارجية الشديدة، عن مساعدة المقاومة في استعادة الردع (وهو في الأصل لا يريد ذلك)، فيمكنه على الأقل غضّ النظر والتزام الصمت حيال الموضوع، لا مهاجمة المقاومة وكأنها سبب الاحتلال لا نتيجته.

ثم ما البديل عن هذه القوة الوازنة التي يملكها لبنان، أي المقاومة؟ جيش ضعيف الإمكانات، يعاني نقصًا في العتاد، منهك بالمهام اليومية، ويحتاج إلى كثير من الدعم الخارجي، وهو في الوقت نفسه ممنوع من التسلّح بأي سلاح قد يسبّب ضررًا للعدو؟ هل بهذا الجيش تريد الدولة ردع «إسرائيل»؟ وهل بهذه السياسات يمكن أن يكون للبنان، يومًا ما، جيش قادر على الردع، فيما المسؤولون يقيّدون قيادته بألف قيد وقيد؟

الخطابات، والنوايا الطيبة، والدبلوماسية التي يلعب بها سفير غربي أو عربي، لا تحمي وطنًا. والدبلوماسية من دون قوة ليست سياسة، بل استجداء على أبواب الدول.

سلاح المقاومة عبء على بيئته؟

لا تأتي المقاومات من خارج بيئاتها. والمقاومة الإسلامية جاءت من بيئتها اللبنانية، ولولا إيمان هذه البيئة بها لما استمرّت ولا انتصرت. أكثر من ذلك، فإن البيئة هي مصدر وجود المقاومة، وحين تكون مصدر وجودها فهي بالضرورة راضية عنها، وداعمة لها، وحاضنة لها.

ولأن المقاومة ليست ترفًا، بل تضحية وتقديم شهداء وجرحى وأسرى، فقد قدّمت هذه البيئة كل ذلك عن رضى، لأن التحرير لا يأتي من دون قرابين، ولأن الفجر لا يصنعه الذين يقضون لياليهم في النوم هانئين.

العبء الحقيقي على البيئة، وعلى الجنوب ولبنان، هو «إسرائيل»، والبيئة لم تعانِ بسبب وجود المقاومة، وقلب الحقائق لا يفيد أحدًا.

سؤال لا إجابة له!

كل الخطابات التي سمعناها عجزت عن تقديم إجابة عن سؤال بسيط وواضح: إذا تخلّت المقاومة عن سلاحها، فمن يحمي لبنان إذا اعتدى العدو عليه؟ (عفوًا، قبل ذلك نسأل: من يحرّر الجنوب اليوم من العدوان القائم عليه؟).

لا ينبغي لأحد أن يضحك على نفسه أو على اللبنانيين بالقول إن اليوم سيأتي ويُسمح فيه بتسليح الجيش اللبناني بما يلزم من أسلحة لمواجهة العدو «الإسرائيلي». وكل إلقاء للجيش في مواجهة العدو من دون هذا التسليح هو مقامرة بهذا الجيش الوطني، وبضباطه وأفراده المخلصين.

العبء الداخلي اليوم على البيئة واللبنانيين ليس المقاومة وسلاحها، العبء في مكان آخر، وفي قومٍ آخرين.

اسرائيلسلاح المقاومةلبنان