تتعامل النخبة السياسية والإعلامية في كيان الاحتلال مع الاحتجاجات التي تشهدها الجمهورية الإسلاميّة في إيران بوصفها لحظة تاريخية فاصلة، تُستحضَر فيها لغة دراماتيكية من قبيل “بداية النهاية” و”الحدث غير المسبوق”. هذا الخطاب، الذي يتكرّر في استوديوهات القنوات العبرية وعلى ألسنة كبار المسؤولين، لا ينفصل عن رغبة مزمنة في رؤية انهيار الجمهورية الإسلامية، بوصفها التهديد الإستراتيجي الأعمق للمشروع الصهيوني في الإقليم. وفي هذا السياق، لم يتردّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الإيحاء بأن إيران تقف على عتبة لحظة يحدّد فيها الشعب مصيره، في إسقاطٍ سياسيّ يتجاهل عمدًا طبيعة الدولة الإيرانية، وتركيبتها، وتجربتها التاريخية.
غير أن هذا التوصيف المتفائل لا يعكس قراءة واقعية بقدر ما يكشف فجوة واسعة بين الرغبة والقدرة. فداخل المؤسستين الأمنية والاستخبارية في تل أبيب، تسود مقاربة أكثر حذرًا، تدرك أن الاحتجاجات، على اتساعها، لا ترقى حتّى اللحظة إلى مستوى التهديد الوجودي للنظام، ولا تملك شروط التحوّل إلى ثورة شاملة.
الطابع الاقتصادي للاحتجاجات وحدود التحوّل السياسي
تختلف الاحتجاجات الراهنة عن موجات سابقة، ولا سيما تلك التي شهدها عام 2022، من حيث الخلفية الأساسية. فهي، في جوهرها، تعبير عن ضيق معيشي واحتقان اقتصادي، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة والعقوبات الخانقة، أكثر منها حركة سياسية ذات برنامج تغييري واضح. وهذا المعطى بالغ الأهمية، لأنه يقطع حتّى الآن مع سردية “الانتفاضة الشاملة ضدّ النظام”، ويجعل إمكان احتوائها أو إدارتها سياسيًا وأمنيًا أمرًا واردًا.
صحيح أن رقعة التظاهر اتسعت، وأن الجرأة في الشارع ازدادت، لكن ما يزال ينقص هذه الحركة عنصران حاسمان: القيادة الموحّدة، والبنية التنظيمية القادرة على تحويل الغضب “العفوي” إلى مشروع سياسي متماسك. ومن دون هذين العاملين، تبقى الاحتجاجات، مهما بلغت حدّتها، عاجزة عن كسر الدولة من الداخل.
تماسك الدولة وغياب الانقسام الحاسم
على خلاف ما يروّجه الإعلام الغربي والعبري، لم تظهر حتّى الآن أيّ مؤشرات جدية على تصدّع داخل بنية الحكم في إيران. فالمؤسسة الأمنية، بكلّ أذرعها، ما تزال متماسكة، والمرجعية الدينية لم تشهد انشقاقات تُذكر، كما لم تُسجّل حالات هروب للنخبة أو انهيار في الولاءات، على غرار ما حصل في الأيام الأخيرة من عهد الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي.
وفي هذا الإطار، تبدو التقارير التي تتحدث عن احتمال فرار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله العظمى الإمام السيد علي خامنئي أقرب إلى الأمنيات السياسية منها إلى الوقائع. فالنظام الإيراني، بخلاف النظام الملكي السابق، لا يقوم على شخص معزول عن مجتمعه، بل على شبكة مؤسسات متداخلة، تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والضغوط القصوى.
هواجس التصعيد الخارجي وحدودها
في موازاة الرهان على الانهيار الداخلي، يساور القلق صناع القرار والجمهور في كيان الاحتلال من احتمال أن تلجأ طهران إلى تصعيد خارجي لصرف الأنظار عن أزمتها الداخلية. وقد انعكست هذه الهواجس في موجات من الشائعات عن حرب وشيكة، أو عن ضربة إيرانية محتملة، يقابلها سيناريو معاكس يتحدث عن استغلال “إسرائيل” للضغط الداخلي لضرب المنشآت النووية أو الصاروخية الإيرانية.
غير أن تداول هذه السيناريوهات، على رغم ضجيجه، يعكس في العمق إدراكًا صهيونيًا لحقيقة أساسية: أيّ مواجهة مباشرة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، ولن تُدار وفق شروط تل أبيب، بل ستفتح أبواب الإقليم على احتمالات شديدة الخطورة، في ظل تشابك ساحات محور المقاومة رغم الضربات التي تلقاها.
الدور الإسرائيلي في استثمار الاحتجاجات ومخاطره
على الرغم من توجيهات رسمية بعدم التعليق، اندفع مسؤولون صهاينة، سياسيين وأمنيين، إلى إطلاق تصريحات وتسريبات تهدف إلى تضخيم صورة الانهيار الوشيك. وقد برز في هذا السياق دور جهاز الموساد، عبر تسريبات وحسابات ناطقة بالفارسية، تسعى إلى تشجيع الشارع الإيراني وإقناعه بأن النظام فقد السيطرة.
غير أن هذا التدخل الفجّ يحمل في طياته نتائج عكسية، إذ يسهّل على الدولة الإيرانية نزع الشرعية الوطنية عن الاحتجاجات، وتصويرها جزئيًا على الأقل كأداة في مشروع خارجي معادٍ، ما يعقّد مسارها ويحدّ من قدرتها على التوسّع.
رضا بهلوي.. وهم البديل وارتهان للخارج
في موازاة هذا المشهد، يجري الترويج لرضا بهلوي بوصفه بديلًا محتملًا للنظام القائم. غير أن قراءة متأنية لخطابه وسلوكه السياسي تكشف أنه لا يقدّم مشروعًا وطنيًا مستقلًا، بل واجهة صريحة لمشروع غربي-صهيوني يسعى إلى إعادة إيران إلى مربع التبعية.
فبهلوي لا يخفي انحيازه الكامل إلى كيان الاحتلال، ولا تردّده في التطبيع العلني معه، ولا رؤيته لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية دولةً منزوعة الدور الإقليمي، تقطع مع دعم قوى المقاومة، وتعيد تموضعها في فلك واشنطن وتل أبيب. وهذه الرؤية ليست غريبة عن تاريخ أسرته، التي سقط حكمها أصلًا بفعل ارتهانها للخارج، وتجاهلها لخصوصية المجتمع الإيراني وهويته الإسلامية والسيادية.
الخلاصة: إيران بين الأزمة والصلابة
لا يمكن إنكار أن الجمهورية الإسلامية تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية حقيقية، وأن التحديات الاقتصادية والاجتماعية ثقيلة الوطأة. لكن تحويل هذه الضغوط إلى سردية انهيار وشيك هو قراءة سياسية دعائية أكثر منها تحليلًا واقعيًا. فالنظام، بخلاف ما يشتهي خصومه، ما يزال يمتلك عناصر الصمود: شرعية ثورية متجذّرة، مؤسسات متماسكة، وخبرة طويلة في إدارة الصراع.
ومن هنا، فإن الرهان الإسرائيلي ومن يدور في فلك الكيان على سقوط سريع للنظام، أو على بدائل مصنّعة في الخارج، لا يعكس إلا عجزًا عن فهم إيران، شعبًا ودولةً، وتكرارًا لأخطاء تاريخية أثبتت التجربة أنها لا تؤدي إلا إلى نتائج معاكسة.