في لحظةٍ كثيفة الدلالة، أعاد خطاب السيد علي الخامنئي فتح واحد من أخطر ملفات الصراع في التاريخ الإسلامي، لا بوصفه حدثًا مضى، بل كقانونٍ يتكرّر، حين قال إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يُهزم يومًا في حربٍ عسكرية، وإنّ الهزيمة الحقيقية بدأت عندما نُقلت المعركة من الميدان إلى الوعي. لم يكن يستعيد واقعة تاريخية، بل كان يضع إصبعه على جرحٍ معاصر ما زال ينزف.
تاريخ الإمام علي (ع) حافل بالانتصارات العسكرية الصافية، من بدر إلى صفّين. لم تُكسر له راية في ميدان السيف، ولم تُهزم له عقيدة في لحظة مواجهة مباشرة. لكنّ الخصم الذي واجهه أدرك مبكرًا أنّ هذا الرجل لا يمكن إسقاطه بالقوة، فاختار الطريق الأطول والأخطر: فصل الإمام عن الناس. هنا تحديدًا تبدأ الحرب الناعمة، حيث لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى، بل بمستوى التشويه، ولا تُحتلّ الأرض، بل تُحتلّ العقول.
في هذه المعركة، لم يكن معاوية مجرّد خصم سياسي، بل مشروعًا سلطويًا متكاملًا، سلطة تمتلك المال، والإعلام، والقدرة على صياغة الرواية. حاكم يتزيّا بلباس الإسلام، فيما يُفرغه من مضمونه القيمي، ويحوّل الدين إلى أداة إدارة للسلطة لا ميزانًا للحق. أدرك معاوية أنّ الرواية أخطر من السيف، وأنّ الإشاعة أكثر فتكًا من الجيش، فكانت حربه قائمة على تحريف الواقع وإعادة تعريف الجريمة باعتبارها «خطأً تابعًا لعلي».
الأسلوب كان بالغ الخبث: اقتحام المدن، نشر الفوضى، القتل والسلب، ثم الصراخ في الناس بأنّ هذه أفعال أتباع الإمام. فوضى تُصنع عمدًا، ثم تُلصق بجبهة الحق. ما يُعرف اليوم في الأدبيات الأمنية بعمليات «الراية الكاذبة»، كان حاضرًا في صفّين بكل وضوح. لم يكن الهدف إسقاط الإمام عسكريًا، بل استنزاف شرعيته الشعبية، ودفع الناس للوقوف منه موقف الشك والعداء.
وإذا كان معاوية غرفة القيادة، فإنّ عمرو بن العاص كان ذراع الحرب النفسية. رجل شديد الذكاء، واسع الحيلة، خفيف المبادئ. هو الذي رفع المصاحف على أسنّة الرماح، لا طلبًا للتحكيم بل لضرب الحق من بوابة الدين. لعب على العاطفة الدينية، وحوّل المعركة من مواجهة باطل وحق إلى فتنة ملتبسة، تُساوي بين الجلاد والضحية. في قاموس عمرو بن العاص، يُصوَّر الثبات على المبدأ «تطرّفًا»، وتُقدَّم الخيانة «حكمة سياسية».
حين يقول السيد الخامنئي إنّ هذا المشهد يتكرّر اليوم حرفيًا، فهو يصف طبيعة الصراع المعاصر كما هو، لا كما يُراد لنا أن نراه. الحرب اليوم ليست حرب دبابات فقط، بل حرب روايات. الرصاصة خبر، والدم سمعة، والميدان عقول الناس. يُرتكب التخريب ثم يُنسب إلى جبهة المقاومة، تُفرض العقوبات ثم يُقال إنّ السبب هو القيم، يُصنع الفشل ثم يُحمَّل لمن رفض الاستسلام. الأدوات تغيّرت: إعلام، منصّات تواصل، خبراء، مشاهير، ولغة تحليلية ناعمة تؤدّي وظيفة السيف نفسها.
في هذا السياق، لا يصبح «معاوية العصر» شخصًا بعينه، بل كل من ينسجم مع إرادة العدو الخارجي، ويُظهر حرصًا زائفًا على الداخل. من يُعيد تسمية الهزيمة «عقلانية»، والمقاومة «تكلفة زائدة»، والثبات «عنادًا». أمّا عمرو بن العاص المعاصر، فهو كل صوتٍ يتقن تبرير الجرائم، ويقتطع النصوص لضرب الحقيقة، وينتهي دائمًا إلى نتيجة واحدة: تبرئة العدو وتجريم الضحية.
مرارة الخطاب، كما يمكن قراءتها، لا تكمن في قوة العدو فحسب، بل في هشاشة الوعي حين يُترك بلا بصيرة. فالدرس الأقسى في تجربة أمير المؤمنين (ع) أنّ الحق قد يُحاصر لا لأنّه ضعيف، بل لأنّ حَمَلته قلّة، ولأنّ بعض الناس يختار الراحة على حساب الحقيقة. من هنا جاء التحذير الواضح: الخطر الحقيقي ليس في الهجوم الخارجي، بل في نجاح الرواية المعادية داخليًا، وفي ترك الحقيقة وحيدة في الميدان.
هذا الخطاب، في جوهره، ليس خطاب تعبئة عاطفية، بل دعوة إلى اليقظة. دعوة إلى فهم أنّ الصراع على الوعي أخطر من الصراع على الأرض، وأنّ تكرار التاريخ لا يحدث لأنّ الخصم عبقري، بل لأنّ الدروس تُنسى. في زمن الحرب الناعمة، يصبح الوقوف مع الحق فعل وعي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وتصبح حماية الحقيقة مسؤولية جماعية لا يحتمل فيها الصمت.