سياسة إدارة التوتر: الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط بين تفكيك الصراع وضبطه

منذ عقودٍ، اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية سياسة تقوم على إدارة النزاعات بدل تسويتها في الشرق الأوسط. فواشنطن تنتهج سياسة عدم إطفاء جذوة الحروب تمامًا، كما أنها تعمل على ضبط مستوى التوتّر عند حدودٍ لا تنفجر فيها الأوضاع ولا تستقر أبدًا. هذه المقاربة تضمن لها بقاء النفوذ والسيطرة على مفاصل القرار السياسي والعسكري في الإقليم، دون الانخراط في مواجهة شاملة مكلفة.

وفي تفصيل أكثر وضوحًا، يرتكز السلوك السياسي الأميركي على إستراتيجيةٍ واضحة المعالم، وإن بدت متناقضة، وهي الحفاظ على حالة من “اللاحرب واللاسلم”. يتجلى هذا النهج بوضوح في تعامل واشنطن مع ملفات شائكة مثل سورية، واليمن، وليبيا، وأفغانستان؛ حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى الإمساك بزمام المبادرة عبر دعم قوى محلية، وربما أجنبية، وأطرافٍ متباينة المصالح، والتدخل في اللحظات الحرجة لإعادة ضبط موازين القوى بما يتماشى مع أجندتها الخاصة.

إن الغاية المحركة لهذه السياسة، وفق المشروع الأميركي، ليست بالضرورة إرساء دعائم الاستقرار المستدام، بل تتركز في المقام الأول على منع وقوع انهيارٍ دراماتيكي قد تستغله قوى منافسة كقطبٍ دوليّ (روسيا والصين) أو إقليميّ (إيران) لتعزيز نفوذها. هي باختصار عملية “إدارة للأزمة” لضمان بقائها تحت السيطرة الأميركية، دون السماح لأي طرفٍ بحسم الصراع نهائيًا.

في هذا السياق، أصبحت المنطقة ساحة لإدارة الأزمات لا لحلها؛ فكلّ نزاع يتحول إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية وأمنية، تتيح للولايات المتحدة التحكم بتدفق الموارد، ومسارات الطاقة، والتحالفات الإقليمية.

النموذج السوري: إدارة الصراع عبر “توازنات الضعف”
تُمثّل الحالة السورية المختبر الأكثر جلاءً للإستراتيجية الأميركية القائمة على إدارة التناقضات؛ فواشنطن لا تكتفي بتموضعها العسكري في الشرق والشمال الشرقي، بل تعمل كـ “ضابط إيقاع” لمجموعة من القوى المحلية المتنافرة لضمان استمرار نفوذها. ويتجسد هذا الدور عبر ثلاثة محاور رئيسية؛ المحور الأول عبر قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تشكّل الركيزة الميدانية المباشرة والغطاء “الشرعي” للتواجد الأميركي تحت مزاعم “محاربة الإرهاب”، أما المحور الثاني عبر توظيف “خطر داعش”، حيث يُبقى على التنظيم كخطرٍ كامن وورقة ضغط دائمة تُسوّغ الاستمرار العسكري وتمنع أي طرف من إعلان النصر النهائي، في ما يظهر المحور الثالث عبر خلق بؤر استنزاف في الجنوب السوري أي عبر استثمار حالة التململ لدى المجموعات المحلية والأقليات، وتنسيق المصالح المشتركة مع “إسرائيل”، لخلق حزام أمني يعيق تمدد النفوذ الإيراني.

وفق هذا المنظور، يتجلّى الواقع بأنه كلّما أرادت واشنطن تهديد الإدارة الانتقالية السورية برئاسة أحمد الشرع، أو إعادة ضبط توازن القوى، تحركت هذه الجماعات لتذكير الجميع بمن يمسك بالمفاتيح. في المقابل، تلعب “إسرائيل” دور الحارس الجنوبي عبر احتضان جماعة الدروز وتوظيفها ضمن هذا المسار لضبط حدودها وتأمين مصالحها.

إستراتيجية “القيادة من الخلف” والوكلاء الإقليميين في ليبيا والسودان واليمن
تنتقل الإستراتيجية الأميركية في شمال إفريقيا وجنوب الجزيرة العربية إلى مستوً أكثر تعقيدًا، حيث تُدير واشنطن دفّة الصراعات عبر “وكلاء” محليين وإقليميين ينجزون المهام بالنيابة عنها. وتتضح معالم هذه الرؤية في الملفين السوداني واليمني بوضوح.

ففي المشهد السوداني، يبدو الانخراط الأميركي متمثلًا في “مباركة” التحركات التي تقوم بها أطراف إقليمية (كالإمارات) لدعم قوات “الدعم السريع”؛ والهدف الجوهري هنا هو خلق حالة من “التوازن الهشّ” الذي يحول دون تشكّل سلطة مركزية قوية أو نظام وطني متماسك قد يخرج عن المدار الأميركي.

أما في اليمن، فيُعاد إنتاج السيناريو ذاته من خلال توظيف “المجلس الانتقالي الجنوبي” كأداة نفوذ مدعومة إقليميًا لضمان بقاء الممرات المائية والمواقع الإستراتيجية في الجنوب تحت مظلة التحالف “الأميركي – الخليجي”، في مقابل ممارسة ضغوطٍ محسوبة ومتدرجة على جماعة “أنصار الله” لإبقائها في حالة استنزاف دائم.

إن مدار هذا النهج يكمن في قدرة واشنطن على توجيه مسارات الصراع وتشكيل خرائط النفوذ دون الحاجة للظهور كلاعبٍ مباشر في الميدان؛ وهو ما يضمن لها تقليل الكلف السياسية والعسكرية، ويُجبر الأطراف المحلية على البقاء في حالة ارتهانٍ دائمة لخياراتها.

إستراتيجية التطويق وإدارة “الانفجار المنضبط” في أفغانستان وإيران
تنتقل السياسة الأميركية في منطقة وسط آسيا والشرق الأوسط نحو نمطٍ أكثر حدة، يعتمد بوضوح على توظيف الفراغات الأمنية وتحويل الحدود الدولية إلى نقاط ضغطٍ دائمة ومستنزفة. ففي الميدان الأفغاني، لم يعد الهدف الأميركي يتركز حول بناء الدولة أو دعم مؤسساتها، بل انزاح نحو تحويل الجغرافيا الأفغانية إلى ساحة “توترٍ مستدام”، ويتجلى ذلك بوضوح في حالة التغاضي المريب عن تنامي نشاط تنظيم “داعش” – ولاية خراسان؛ إذ يُستخدم هذا التنظيم كأداةٍ وظيفية لاستنزاف سلطة “طالبان” وتقويض محاولاتها في إرساء الاستقرار، وهو ما يخلق مناخًا من الفوضى الموقوتة التي تمنح واشنطن ذريعةً دائمة للتدخل الاستخباري والعملياتي عن بُعد، ما يبقي كابول أسيرة دوامة القلق الأمني بعيدًا عن أي استقرارٍ حقيقي.

أما في النموذج الإيراني، فإن النهج الأميركي يتبنّى إستراتيجية “التطويق الجيوسياسي” كبديلٍ للمواجهة العسكرية المباشرة، من خلال مساراتٍ متوازية تدمج بين الخنق الاقتصادي عبر منظومة عقوباتٍ متصاعدة وشديدة التعقيد، وبين الاستنزاف الحدودي عبر تحفيز ودعم جماعاتٍ مسلحة تنشط على الأطراف القلقة في العراق وأذربيجان وأفغانستان. ويهدف هذا التكتيك إلى إحاطة الجغرافيا الإيرانية بـ “زنارٍ ناري” وحزامٍ من التوترات الجاهزة للاشتعال من الشمال والجنوب على حدٍ سواء، إذ يكمن الجوهر الإستراتيجي لهذه الخطة في امتلاك القدرة على تحريك هذه الأدوات والمجموعات في توقيتٍ سياسيٍّ محدّد لتوليد ضغطٍ عسكري أو إثارة فوضى داخلية، ما يضع الخصم في حالة دفاعٍ دائم عن أمنه القومي دون أن تضطر الولايات المتحدة لتحمل كلفة الانزلاق نحو حربٍ شاملة ومفتوحة.

لبنان.. إستراتيجية الإنهاك تحت سقف “الاستقرار الهش”
يُمثل الملف اللبناني حالةً استثنائيةً نسبيًا ضمن العقيدة السياسية الأميركية؛ فواشنطن، وعلى الرغم من إمساكها بأوراق ضغطٍ فاعلة عبر جماعات من القوى المحلية، تُبدي حذرًا واضحًا حيال دفع الساحة اللبنانية نحو انفجارٍ شامل، خشية أن ترتد التداعيات الأمنية لهذا الانهيار على أمن “إسرائيل” المباشر. وبناءً على ذلك، يتم الاستعاضة عن خيار الفوضى المطلقة بسياسةٍ مركبة تعتمد الخنق الاقتصادي والضغط السياسي المركز على حزب الله، بالتوازي مع دعم تصعيدٍ عسكري “إسرائيلي” يظل محكومًا بقواعد “حرب الاستنزاف طويلة الأمد”. من الواضح، أن هذا السيناريو لا يستهدف الحسم السريع، بقدر ما يطمح إلى إنهاك البنية العسكرية والاجتماعية للحزب وإضعاف فاعليته تدريجيًا، مع إبقاء الساحة اللبنانية في حالة انتظارٍ وترقب لما ستؤول إليه التوازنات الكبرى في الميدانين السوري والعراقي، لضمان بقاء لبنان ورقةً قابلة للمقايضة في أي تسويةٍ إقليمية قادمة.

بين الواقعية والهيمنة.. قراءة في الدوافع الإستراتيجية الأميركية
تتجسد الغاية النهائية من السياسة الأميركية في رغبة واشنطن في تثبيت ركائز هيمنتها الإستراتيجية بأقل قدرٍ ممكن من التكاليف المادية والبشرية؛ فبدلًا من الانزلاق نحو حروبٍ استنزافية مباشرة أو الانخراط في مغامرات إعادة تشكيل الأنظمة، كما شهد العقدان الماضيان، باتت تكتفي اليوم بنموذج “الهيمنة المرنة”. هذا النموذج يقوم على هندسة تحالفات اقتصادية وعسكرية هجينة، تضمن في مقامها الأول أمن “إسرائيل” وتحمي طرق الملاحة الحيوية ومنصات الطاقة الدولية، بالتوازي مع العمل الدؤوب على كبح جماح النفوذ الإيراني عبر سياسة “الاحتواء الخشن”.

إن ما نشهده اليوم هو ولادة نمطٍ جديد من “الإمبريالية منخفضة الكلفة”، التي لا تسعى لإطفاء الحرائق بقدر ما تطمح إلى التحكم في منسوب اشتعالها وتوجيهه بما يخدم أجندتها. وبموجب هذا النهج، يتم استثمار الفوضى كأداةٍ لتعطيل مشاريع الخصوم، مع التملص التام من تبعات الانهيار أو مسؤوليات إعادة الإعمار الإنسانية والمادية. هي باختصار عملية “إدارة للأزمات” لا حلها، حيث تبقى الولايات المتحدة هي الممسك الوحيد بصمام الأمان، تفتحه وتغلقه وفقًا لضرورات التوازن الدولي وصراعها الوجودي مع القوى الصاعدة.

خلاصة القول، ما تفعله واشنطن فعليًا هو تحويل الحروب إلى أدوات وظيفية؛ فهي لا تنهي نزاعًا بل تُبقيه في حالة غليانٍ منضبط، بحيث لا ينطفئ تمامًا ولا ينفجر لدرجة تهدّد مصالحها الكبرى. هذا النهج، وإن كان يحمي النفوذ الأميركي، إلا أنه ينهش في جسد الدولة الوطنية في المنطقة ويجعل من فكرة “الأمن الإقليمي” مجرد وهم.

وفي نهاية المطاف، الحقيقة الواضحة هي أن أميركا لا تريد “شرقًا أوسطَ مستقرًا” يمتلك قراره، بل تريده إقليمًا منهكًا يسهل التحكم بمساراته، حتّى لو استمر ذلك على حساب دماء شعوبه واستقراره الدائم.

اسرائيلالولايات المتحدةايرانلبنان