خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي (2026)، شهدت الساحة الداخلية الإسرائيلية ثلاثة تطورات ترابطت معاً لتؤشر إلى انفجار الأزمة التي ظلت مكتومة لسنوات طويلة بين الجيش الإسرائيلي وقادة الطائفة الحريدية حول قضية تجنيد أبناء الطائفة. ومن المؤكد أن انفجار تلك الأزمة سيكون له تداعياته الشديدة على الاستقرار السياسي في إسرائيل لسنوات قادمة، كما سيكون له تأثير أوسع على التماسك الاجتماعي بين فئات المجتمع الإسرائيلي.
- ففي 23 مارس، أعلن الجيش الإسرائيلي عن مشاركة لواء الحشمونييم (لواء مخصص للشباب الحريديم الذين يقبلون بالخدمة في الجيش) في العمليات الجارية في جنوب لبنان.
- وفي 27، نشرت القناة 13 الإسرائيلية تقريراً ورد فيه أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير، حذّر خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) من أن الجيش سينهار على نفسه، وذلك في ظل تعامل الجيش مع متطلبات عملياتية متزايدة ونقص حاد في القوة البشرية.
- وفي 30 مارس، تفادي الائتلاف الحاكم السقوط بعد نجاحه في تمرير الميزانية، حيث ينص قانون أساس الكنيست على أن الفشل في تمرير الميزانية يعني حل البرلمان بشكل مباشر ومن ثم الدعوة لانتخابات مبكرة.
هذه التطورات الثلاثة تقاطعت معاً في نقطه واحدة تجسد الأزمة الممتدة منذ تسعينات القرن الماضي في إسرائيل حول قضية تجنيد الحريديم.
الحريديم وموقفهم من الجيش
بدون الخوض في تفاصيل تاريخية معروفة، فإن اليهود الأرثوذوكس أو الحريديم يرفضون خضوع أبناء طائفتهم لقانون التجنيد الإجباري في إسرائيل لأسباب دينية ظاهرية (التفرغ لدراسة التوراه) وأسباب عملية تتعلق بخوفهم من الاندماج في المجتمع والدولة في ظل السعي المتواصل لإدخالهم في بوتقة الصهر (الجيش الإسرائيلي)، بما سيؤدي حتماً لاختفاء الطائفة بشكل نهائي مستقبلاً.
حاولت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ نهاية القرن الماضي التوفيق بين مطالبة أحزاب المعارضة بإلغاء إعفاء الحريديم من التجنيد سواء إعمالاً لمبدأ المساواة بين كافة مواطني الدولة، أو بسبب تزايد احتياج الجيش لأعداد أكبر من المجندين، وبين مطلب الطائفة بتجنيب أبناءها التعرض لفقدان هويتهم الثقافية والدينية إذا ما تم إجبارهم على الالتحاق بالجيش. لذلك تم تشكيل وحدة جديدة في الجيش وهي الوحدة المعروفة باسم “نتساح يهودا” في 1999 لاستيعاب المجندين الحريديم وبعض الجنود المنتمين لتيار الصهيونية الدينية (يقبل غالبية أتباع هذا التيار الخدمة في الوحدات العادية في الجيش، فيما تبقى أقلية صغيرة منهم ترفض الخدمة في مثل هذه الوحدات لنفس الأسباب الدينية). ومع اندلاع الحروب الإسرائيلية المتعددة الجبهات بعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 قبلت الطائفة الحريدية بتقديم تنازل آخر بموافقتها عام 2024 على قرار الجيش إنشاء وحدة أخرى للمشاة (لواء الحشمونائييم) خصصت للمجندين الحريديم ولنفس الهدف (الحفاظ على خصوصيتهم عبر السماح لهم بالحفاظ على ممارساتهم الدينية مثل منحهم الوقت للصلاة والدراسة والحد من الاختلاط مع المجندات). ورغم ذلك، بقت المشكلة قائمة، فلم يكن هذا الحل مرضياً بشكل كامل لطرفيها (الحريديم والعلمانيين)، إذ ظل حاخامات الطائفة الحريدية على تشجيعهم لأبناء طائفتهم بعدم الاستجابة لأوامر الاستدعاء الصادرة لهم من الجيش. فعلى سبيل المثال، كان الجيش قد أصدر أوامر تجنيد لـ3000 شاب من الحريديم عام 2024 لم يستجب منهم سوى 273 فقط، وبسبب أعذار متنوعة (صاغها لهم الحاخامات) لم يتم في النهاية سوى تجنيد 48 شاب منهم فعلياً.
على الجانب الآخر، ظلّت القوى السياسية العلمانية التوجه تضغط من أجل إلغاء الاستثناء الممنوح للحريديم من الخدمة العسكرية فوراً، أو على الأقل بشكل متدرج وفقاً لقانون يصدر بهذا الشأن. وإجمالاً، يمكن تفسير تزايد الانقسامات داخل المجتمع والدولة الإسرائيليين في السنوات الأخيرة حول وضع تلك الطائفة، وحول موقفها من الخدمة العسكرية لأبنائها، عبر العناصر التالية:
1- ارتفاع نسبتهم بين السكان من 2.6% عام 1948 إلى ما يقرب من 14% في الإحصاء الرسمي للسكان عام 2025، مع توقع بأن تبلغ هذه النسبة 25% عام 2050.
2- تزايد حاجة الجيش الإسرائيلي للموارد البشرية خاصة بعد اندلاع حروب إسرائيل متعددة الجبهات منذ أكتوبر 2023.
3- تزايد الانتقادات من جانب التيار العلماني تجاه الاستمرار في سياسة إعفاء أبناء الطائفة الحريدية من التجنيد الإجباري، الأمر الذي يخل بعدالة توزيع الأعباء الأمنية على كافة فئات المجتمع.
4- عجز الائتلاف الذي يقوده بنيامين نتنياهو عن تطبيق قرار المحكمة العليا الصادر بالإجماع في يونيو 2024 بضرورة تجنيد الحريديم، معتبرة أن الإعفاء التاريخي الذي بدأ عام 1948 لا أساس قانوني له في ظل تزايد أعدادهم وفى ظل الضغط الأمني الحالي.
الجيش يدخل على خط الجدل
مع تعيين إيال زامير رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي في الخامس من مارس 2025، وقبل مضي شهرين على تعيينه في المنصب (3 مايو 2025)، أمر إدارة شئون الموظفين في الجيش بتقديم خطة على وجه السرعة تهدف إلى توسيع وتعظيم عدد أوامر التجنيد الموجهة إلى الشبان الحريديم. كما صرّح علانية بأن الجيش يحتاج بشكل عاجل لتجنيد 12 ألف جندي جديد، وهو ما يمكن توفيره من خلال مائة ألف شاب من الحريديم في سن التجنيد، ويمكن استدعاء بعضهم للخدمة كحل وسط بين متطلبات الجيش العاجلة، وبين موقف الطائفة من قضية تجنيد أبناءها.
ورداً على ذلك، قام حاخامات الطائفة بتحريض أتباعهم على عصيان أوامر الاستدعاء للجيش، كما دعوا لمظاهرات حاشدة ضد تصريحات زامير، الذي تم اعتبار حديثه عن تجنيد الحريديم سابقة لم تحدث من قبل وتخالف مبدأ حظر تدخل الجيش في سياسة الحكومة. رغم ذلك، واصل زامير تحديه للطائفة بتصريحه في 27 مارس الماضي بأن الجيش يحتاج من الحكومة، وبشكل عاجل، إصدار قانون تجنيد وقانون للخدمة الاحتياطية، وقانون لتمديد الخدمة الإلزامية، وهي نفس المطالب التي تتبناها الأحزاب المعارضة لنتنياهو وائتلافه الحاكم، والتي جسدها تعقيب نفتالي بينيت (رئيس الحكومة الأسبق وأقوي المنافسين لنتنياهو في أي انتخابات مقبلة) بقوله: “جيش الدفاع ينقصه 20 ألف جندي، وهناك 100 ألف شاب من الحريديم في سن الخدمة العسكرية وبصحة جيدة اليوم، ولو قاموا بتجنيد خُمسهم فقط، لما كانت هناك مشكلة”. كما هاجم رئيس حزب إسرائيل بيتينو أفيجدور ليبرمان سياسة نتنياهو تجاه قضية تجنيد الحريديم بقوله: “نتنياهو لا يهتم بأمن البلاد، بل يهتم فقط بالحفاظ على شركائه في الائتلاف من حزبي شاس ويهودة هتوراه الحريديين”.
بمعنى أكثر وضوحاً، كان هناك اتهام ضمني من جانب الأحزاب الحريدية لرئيس الأركان بأنه يتجاوز صلاحيات منصبه ليصبح رأس حربة للمعارضة الإسرائيلية.
تأثير الصدام على التماسك الداخلي مستقبلاً
بالعودة إلى التطورات الثلاثة التي جرت في مارس الماضي، يمكن القول إن الأحزاب الحريدية المشاركة في الائتلاف (شاس ويهودة هتوراه) كانت تحاول – ربما بنصيحة من نتنياهو – إسكات المعارضة الإسرائيلية التي تتخذ من قضية تجنيد الحريديم نقطة ارتكاز لتقويض الائتلاف الحاكم، وذلك عندما قبل حاخاماتهم السماح للمجندين من أبناء الطائفة (لواء الحشمونائيم) بالمشاركة للمرة الأولى في حرب خارجية داخل الجبهه اللبنانية في 23 مارس الماضي، بعدما جرت العادة على حصر مهامهم في وحدات التدريب والخدمات اللوجستية في الجيش، أو مهام القتال في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال وهجمات المستوطنين، وبذلك يتم إبطال حجة المعارضة بأن المجندين من الحريديم لا يتحملون نصيبهم من مسئولية الدفاع عن البلاد.
لكن الرد أتى بعد أيام قليلة من هذا التطور عندما حذّر رئيس الأركان في 27 مارس من أن الجيش الإسرائيلي مُعرَّض للانهيار بسبب نقص الجنود المطلوبين لأداء المهام المنوطة به في العديد من الجبهات التي يقاتل عليها حالياً.
كان من الواضح أن رئيس الأركان لم يقدر خطورة تصريحاته، التي فُهِمت في الداخل الإسرائيلي على أنها تحمل تشكيكاً في قدرة الجيش على الصمود في الجبهات التي يحارب عليها، غير أن الواقع يشير إلى أن هدف زامير الحقيقي هو ممارسة أقصى الضغوط من أجل إصدار قانون يلزم أبناء الحريديم بالخدمة في الجيش، فقد سبق له أن كرر منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير الماضي أن الجيش بوضعه الحالي (من دون تجنيد الحريديم) قادر على الوفاء بمهامه على كل الجبهات مهما طال زمن الحرب. وبمعنى أكثر وضوحاً، كان زامير يحاول استباق نتائج التطور الثالث الذي جري في 30 مارس والمتعلق بالتصويت داخل الكنيست على الميزانية، حيث من المعروف أن عدم نجاح الائتلاف الحاكم في تمرير الميزانية سيقود إلى حل الكنيست والدعوة لانتخابات مبكرة.
في هذا التوقيت، كان نتنياهو يبذل جهداً كبيراً لإقناع حزبي شاس ويهودة هتوراه المعارضين لتجنيد أبناء طائفتهما، واللذين كانا يهددان بالتصويت ضد الميزانية إذا ما صدر قانون يلزمهم بالالتحاق بالجيش، بأن يؤجلا معركتهما حول هذا القانون لوقت لاحق مقابل زيادة المخصصات الموجهة لمؤسساتهما التعليمية والاجتماعية في الميزانية، وهو ما حدث بالفعل حيث تمت زيادة هذه المخصصات بمقدار مليار شيكل مقارنة بالميزانية السابقة، وبذلك مر التصويت على الميزانية بأغلبية 62 صوتاً، ولم يعد أمام المعارضة التي كانت تراهن على الميزانية لإسقاط الائتلاف الحاكم سوى الاستعداد للانتخابات المقبلة التي ستجرى في موعدها القانوني (أكتوبر القادم).
خلاصة ونتائج
شكّل دخول الجيش على خط المواجهة مع الطائفة الحريدية سابقة غير معهودة، حيث بدا رئيس الأركان إيال زامير مستعداً للمرة الأولى في تاريخ الجيش الإسرائيلي للانخراط في معركة سياسية، مُحطِماً المبدأ الحاكم للجيش بالخضوع للمستوى السياسي بشكل كامل، والابتعاد عن الإدلاء برأيه في الصراعات السياسية، وهو التطور الذي قد يعيد في المستقبل القريب الجدل الذي كان يعلو في بعض الفترات حول العلاقات المدنية – العسكرية في إسرائيل، ولكن الأخطر من ذلك أن قضية تجنيد الحريديم ستشغل الرأي العام الإسرائيلي لسنوات قادمة، في ظل الانقسام من حولها سياسياً واجتماعياً، وقد تلجأ المعارضة إلى المحكمة العليا لفحص مدى قانونية زيادة مخصصات الحريديم في الميزانية، بالرغم من الحكم الصادر من المحكمة عام 2024 والذي ينص على إلغاء استثناء الحريديم من الخدمة العسكرية، ويحث الحكومة على حرمان الطائفة من المخصصات التي تحصل عليها من ميزانية الدولة، كما يدعو إلى إصدار قانون بمعاقبة الحريديم المتهربين من أوامر الاستدعاء للخدمة العسكرية.
كذلك يمكن أن تهدد هذه المواجهة المبدأ المُؤسِس للدولة العبرية ومن قبلها الحركة الصهيونية وهو دعوة يهود الشتات للهجرة إلى إسرائيل، حيث سبق أن أعلن الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين (السفارديم) يتسحاق يوسف في 9 مارس 2024 في حديث إلى القناة 12 الإسرائيلية بأنه “في حال أجبر الحريديم على الخدمة العسكرية فإنهم سيغادرون البلاد والكل سيسافر إلى الخارج”، ثم أضاف أن “العلمانيين يضعون الدولة على المحك”!!
سعيد عكاشة – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية