“لطالما شبّه الفلسطينيون ومؤيدوهم الأراضي المحتلة بـ ” مختبر” تُجري فيه إسرائيل تجارب على التكتيكات العسكرية وتقنيات المراقبة وأساليب ضبط السكان قبل تطبيقها في أماكن أخرى، ولطالما كانت الحرب على إيران طموحاً لنتنياهو، ولكن في غزة وضع هو وجنرالاته خطة العمل التي تُنفذ حالياً في تلك الحرب”. هذا ما يقدّره أمجد عراقي، الباحث في “مجموعة الأزمات الدولية”، في مقال نُشر بالفرنسية في 23 آذار/مارس الجاري بعنوان: “منعطفات: من غزة إلى إيران”.
من عقيدة “جز العشب” إلى عقيدة “إبادة العدو”
تنص عقيدة “جزّ العشب”، كما يذكر أمجد عراقي، على أن القادة الإسرائيليين، المنخرطين في صراعات مسلحة متعددة مع جماعات غير حكومية، لجأوا إلى “احتواء التهديدات الأمنية بالقوة، مفترضين أن هذه الجماعات لن تُباد نهائياً”. بيد أن هجوم حركة “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، جعل هؤلاء القادة يعتبرون أن هذه العقيدة قد فشلت، وصار “القضاء التام على العدو”، يمثّل “ضرورة ملحة، بل حتمية للبقاء”. وهكذا أصبحت غزة “ساحة اختبار لنهج أكثر صرامة”، إذ لم تكتفِ إسرائيل بضرب البنية التحتية العسكرية لـ “حماس” وتصفية أفرادها، بل إن “حرب الفداء”، كما سمّاها بنيامين نتنياهو، سوّت مدن قطاع غزة بالأرض، وفككت جهاز الحكم، ودمرت البنية التحتية الحيوية: المستشفيات، وإمدادات الغذاء، وخطوط الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، وشبكات الصرف الصحي. وهكذا، عندما دخلت الهدنة حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، كان القطاع قد تغيّر بصورة جذرية، إذ “اكتظ 2.1 مليون نسمة في أقل من نصف مساحة القطاع، بينما سُوّي الباقي بالأرض”.
ويتابع الباحث نفسه، فيشير إلى أن عملية “الأسد الصاعد ” الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً في حزيران/ يونيو 2025، والتي هدفت إلى إضعاف القدرات النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية، تندرج ضمن عمليات ” جزّ العشب”، بينما عملية “الأسد الزائر” التي تشنها إسرائيل حالياً تختلف عنها تماماً، إذ هي تهدف “لزعزعة استقرار النظام الإيراني وإحداث التغيير”. كذلك لا يهدف العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى إضعاف حزب الله، بل يهدف إلى القضاء عليه، وهو ما صرّح به وزير الحرب يسرائيل كاتس الذي أكد أن الجيش تلقى أوامر بالعمل في جنوب لبنان، “تماماً كما فعل ضد حماس في رفح وبيت حانون، وفي أنفاق الإرهابيين في غزة”، بينما خاطب بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، الشعب اللبناني خلال زيارة إلى الحدود الشمالية في 6 آذار/مارس الجاري بقوله: “أردتم أن تجعلوا حياتنا جحيماً، وقد جلبتم ذلك على أنفسكم؛ ستصبح الضاحية شبيهة بخان يونس”.
إجماع حول “إسبرطة الجديدة” الطامحة إلى التحوّل إلى “قوة عالمية”
يبدو أن الحرب أصبحت غاية في ذاتها في إسرائيل اليوم، أو في “إسبرطة الجديدة”، كما وصفها بنيامين نتنياهو قبل عدة أشهر، ذلك أن الأغلبية العظمى من الشعب الإسرائيلي تؤيد الحرب الجارية على إيران، وما تلاها من تدمير للبنان، وتتبنى جميع الأحزاب الصهيونية هذا الموقف، إذ أوضح رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، على قناة “سكاي نيوز” لدى بدء الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي: “الأمر لا يتعلق بنتنياهو؛ فالشعب الإسرائيلي بأكمله، من اليسار إلى اليمين، يدعم هذه المهمة”. وقال يائير غولان، زعيم اليسار الصهيوني، لقناة “بي إف إم تي في” إنه يدافع عن استراتيجية إسرائيل في إيران، من دون أن يدعم بنيامين نتنياهو”، بينما أعلن حزب “يش عتيد” (يوجد مستقبل)، حزب زعيم المعارضة يائير لبيد، في التاسع من آذار/مارس الجاري، أنه “لن يصوّت بعد الآن على اقتراحات حجب الثقة عن الائتلاف الحاكم خلال الحرب على إيران”.
في 12 آذار/مارس الجاري، تحدث بنيامين نتنياهو عن تقدم الجيش الإسرائيلي على جبهات مختلفة في الصراع في الشرق الأوسط، وصرّح قائلاً: “نحن نحوّل أنفسنا إلى قوة عالمية”. وكان قد أشار، في الكلمة التي ألقاها في 10 كانون الأول/ديسمبر 2025، في المؤتمر الذي عقدته وزارة الخارجية للسفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية، إلى أن “إسرائيل باتت قوة عالمية، ويرتبط هذا بعدة إجراءات اتُخذت، لا سيما خلال العامين الماضيين، فقد عززنا قوتنا العسكرية والاقتصادية والسياسية… وأثبتت إسرائيل أنها دولة استثنائية”. ويربط بنيامين نتنياهو مشروع تحويل إسرائيل إلى “قوة عالمية”، بتأييده مشروع “إسرائيل الكبرى”، ذلك أنه تبنى عبر التلفزيون، في 14 آب/أغسطس 2025، الآراء القومية المسيانية التي تريد بناء إسرائيل من النيل إلى الفرات، وهو ما أثار غضب الدول العربية التي نددت بـ “تهديد سيادة” دول المنطقة.
استغلال الحرب ضد إيران لمواصلة الحرب على الفلسطينيين
يرى العقيد الإسرائيلي المتقاعد شاؤول أرئيلي، أن بنيامين نتنياهو يستغل الحرب على إيران “لتحويل انتباه الرأي العام والمجتمع الدولي عن القضية الفلسطينية إلى ما يصفه بالعدو الأكبر”، مقدّراً أن استمرار حالة الحرب “يُوفّر أرضية سياسية للتحالف اليميني المتطرف ذي التوجهات المسيانية لتكثيف الضم الزاحف- أي توسيع المستوطنات، والعنف اليهودي، والتمويل غير القانوني للبنية التحتية في البؤر الاستيطانية غير المرخصة – بهدف خلق واقع يُصعّب تحقيق حل الدولتين”.
تشديد الحصار على القطاع المنكوب
ما إن بدأت الحرب حتى عمقت إسرائيل حصار قطاع غزة، فأُغلقت جميع المعابر “لأسباب أمنية”، ما حرم القطاع المنكوب من الغذاء والضروريات الأساسية والمساعدات الإنسانية. كما توقفت عمليات الإجلاء الطبي إلى مصر بصورة كاملة عبر معبر رفح، مما يُعرّض 18 ألف شخص، بينهم 4 آلاف طفل، لخطر تدهور حالتهم الصحية أو الموت. وبعد مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل إعادة فتح المعابر، فتحت السلطات الإسرائيلية على مضض معبر كرم أبو سالم، ما سمح بدخول مساعدات رمزية متفرقة. وفي الوقت نفسه، واصل جيش الاحتلال قصف قطاع غزة دون رادع، إذ استشهد يوم الأحد الموافق فيه 15 آذار/مارس ثلاثة عشر فلسطينياً في القطاع، وأسفرت غارة جوية بطائرة مسيرة، في 22 آذار/مارس، عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل وإصابة ثمانية آخرين في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، وأفادت مصادر طبية فلسطينية، في اليوم نفسه، بمقتل شخص وإصابة آخرين بجروح في غارة جوية قرب جسر الشيخ رضوان في مدينة غزة.
وبعد إغلاق المعابر، “ارتفعت أسعار السلع الأساسية، كالغذاء والصابون، بنسبة تتراوح بين 200 و300 بالمئة”، كما صرّح جوناثان كريكس، المتحدث باسم منظمة “اليونيسف” في فلسطين، لوكالة “فرانس برس”، وارتفعت أسعار الوقود، اللازم لتشغيل المولدات في المستشفيات، ارتفاعاً حاداً أيضاً، إذ لم يدخل إلى القطاع سوى أقل من 500 ألف لتر من الوقود، وفقاً لرئيس “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” (أوتشا)، توم فليتشر، وهذا أقل بكثير من مليوني لتر تُعتبر “الحد الأدنى اللازم لاستمرار عمل المستشفيات”، وهو ما يُفاقم وضع النظام الصحي الذي لا يزال هشاً للغاية، بعد أن توقف عن العمل نصف مستشفيات القطاع الفلسطيني، جراء تعرضه لغارات جوية. ومما يزيد من تفاقم هذا الوضع التهديد بتعليق اعتماد 37 منظمة إغاثة إنسانية، مثل “منظمة أطباء بلا حدود”، التي لم يتم تجديد اعتمادها.
ويرى جان بول شانيولو، الرئيس الفخري لـ “معهد البحوث والدراسات حول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط” الفرنسي، أن الحرب مع إيران تُمكّن إسرائيل من “سحق القضية الفلسطينية بسهولة أكبر، نظراً لقلة الاهتمام بها، ولأن إسرائيل تتمتع الآن بحرية مطلقة في ممارسة كل شيء”. ويشير إلى أن “شنّ الضربات في أي وقت على غزة، والسيطرة على تدفق المساعدات الإنسانية، وقتل أي شخص يقترب من الخط الأصفر هو وسيلة إسرائيل لزعزعة استقرار المجتمع الفلسطيني بصورة ممنهجة”، ويضيف أن حركة “حماس”، التي “أُضعفت بصورة كبيرة”، “لم تعد تشكل مشكلة رئيسية”، وأن إسرائيل التي “لم تكن ترغب أبداً في الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام، ستضمن الآن استمرار الوضع القائم منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأن الحرب ضد إيران تُسهّل مهمتها”.
الضفة الغربية المحتلة أمام خطر التطهير العرقي
فرض الجيش الإسرائيلي، مع بدء الحرب، حصاراً عسكرياً شاملاً على الضفة الغربية المُحتلة، وأقام أسواراً في أماكن لم تكن موجودة فيها من قبل. كما أجبرت هجمات المستوطنين والجنود آلافاً من الفلسطينيين على النزوح من أراضيهم، وأصبحت بعض القرى الريفية ومخيمات اللاجئين أطلالاً. فقد أفاد مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بنزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني وفلسطينية قسراً في الضفة الغربية المحتلة خلال الاثني عشر شهراً الماضية منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وحذّر المفوض السامي من تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني ومحاولات ضم الأراضي. ووثّق المكتب 1732 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون إسرائيليون، أسفرت عن سقوط ضحايا أو أضرار مادية، خلال الفترة نفسها. كما وثّقت منظمة “يش دين” الإسرائيلية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 50 حادثة عنف استيطاني في 37 موقعاً فلسطينياً مختلفاً خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب على إيران. وكان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يُشرف على الإدارة المدنية للضفة الغربية المحتلة، قد صرّح في الشهر الماضي بأنّ “حلّه طويل الأمد” للقضية الفلسطينية هو التطهير العرقي، وأكّد ضرورة أن “تلغي الحكومة الإسرائيلية اتفاقيات أوسلو وتُوسّع السيادة الإسرائيلية” على الضفة الغربية، وأن تتخذ “خطوات ملموسة لتشجيع هجرة الفلسطينيين” من الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي 30 آذار/مارس الجاري، صدَّق الكنيست الإسرائيلي، بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون يقضي بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48 وامتناع عضو واحد، وهو قانون عنصري يضفي شرعية على قتل الفلسطينيين خارج نطاق القضاء.
لبنان على خطى قطاع غزة
أعلن الجيش الإسرائيلي الحرب على حزب الله، مُفعِّلاً بذلك خطة وُضعت قبل وقت طويل من قيام الحزب بإطلاق بضعة صواريخ رداً على اغتيال إسرائيل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، وذلك بعد أن كانت إسرائيل قد انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 2024 مع لبنان آلاف المرات. وقد أمر الجيش الإسرائيلي، خلال العملية العسكرية الجارية اليوم، بإجلاء جماعي لجميع سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني والضواحي الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع نشر قوات برية في لبنان، وهو ما أجبر ما يقرب من مليون شخص – أي 17 ٪ من سكان لبنان – على الفرار من منازلهم. وأدى القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، ووادي البقاع، إلى تدمير أحياء وبنى تحتية ومستشفيات، وبلغ عدد الشهداء 1189 شهيداً، بينهم أكثر من مئة طفل، وإصابة 3427 بجراح. وقد حُوّلت المدارس والمباني البلدية والقاعات العامة إلى ملاجئ مؤقتة، لكن آلاف الأشخاص ينامون في سياراتهم أو في الشوارع. وهدد وزير الحرب يسرائيل كاتس بالاستيلاء على المزيد من الأراضي اللبنانية ومواصلة تدمير البنى التحتية حتى يتم نزع سلاح حزب الله. وهكذا، تُكرر إسرائيل أساليب مماثلة لتلك التي استخدمتها في قطاع غزة، ولا سيما أوامر الإخلاء واسعة النطاق، وذلك في ظل عودة الخطاب نفسه الذي يدعو إلى إبادة العدو إلى الظهور على شاشات التلفزيون؛ ففي 12 آذار/مارس، صرّح وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على القناة 12: “يجب أن نضرب ونقضي على كل شيء في الضاحية [الجنوبية لبيروت]، وبعلبك، وصور، وصيدا، والنبطية، في كل مكان”.
“الفوضى التي تُسببها إسرائيل والولايات المتحدة تُدمّر الشعوب”
تحت هذا العنوان، نشر ثلاثة من أبرز الأكاديميين الفرنسيين، هم برتراند بادي، الأستاذ الفخري في “معهد العلوم السياسية” بباريس، وجان بول شانيولو، الرئيس الفخري لـ “معهد البحوث والدراسات حول البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط”، وبرتراند هوركاد، مدير أبحاث فخري في “المركز الوطني للبحث العلمي”، مقالاً في 16 آذار/مارس، نددوا فيه “بحرب غير شرعية تُبيد السكان، وتُرسّخ الانعزالية القائمة على الهوية، وتُهمّش تطلعات الأجيال الجديدة في جميع أنحاء المنطقة، وهو ما يُنذر بخطر الامتداد إلى ما وراء الشرق الأوسط وحصر أوروبا في هذا المأزق”، وذلك بعد أن “شنّ بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب الحرب على إيران؛ أحدهما يعرف وجهته، والآخر لا يملك أدنى فكرة أو يُغيّر رأيه يومياً”، مقدرين أن هذه الحرب تُشكّل “فرصةً لـتصفية القضية الفلسطينية، في حين تُدمّر غزة وتُرهب الضفة الغربية بقمع ممنهج ونشاط استيطاني أكثر عنفاً من أي وقت مضى”؛ وفي لبنان، عقب هجوم حزب الله، “أظهر الردّ غير المتناسب من الدولة اليهودية واحتلال جنوب لبنان أن إسرائيل، إلى جانب المخاوف الأمنية، تسعى إلى الهيمنة على المنطقة وتوسيع نفوذها، لتصبح القوة الإقليمية الوحيدة بحكم الأمر الواقع، بدعم أميركي وموافقة ضمنية من الأوروبيين”.
وأضاف المقال “أن تبرير هذه الحرب غير الشرعية بالدفاع عن الشعب الإيراني ليس إلا وسيلة ساخرة لإخفاء أهدافها الحقيقية، إذ لم يسبق في أي مكان أن تغير نظامٌ ما بقصفٍ يسحق أيضاً من يدّعي تحريرهم؛ فالتغيير الدائم لا ينبع إلا من أعماق المجتمعات، وعلى النقيض، كان لإقصاء النخب والحرب أثرٌ بالغٌ في تعزيز سيطرة الفصائل الأكثر تطرفاً على المجتمع والدولة في إيران”. واعتبر الأكاديميون الثلاثة أن “هذا الرفض لأبسط قواعد التعايش بين الأمم لا يُنتج سوى ردود فعل عنيفة غير متوقعة، بل وأكثر فوضوية، ذلك أن إذلال الفلسطينيين ومعاناتهم لن تُنتج إلا جيلاً جديداً يرفض حرمانهم من حقهم في تقرير المصير، بينما ستسعى فصائل متطرفة من النظام الإسلامي، أو حتى من القوميين الإيرانيين، إلى الانتقام”، ليخلصوا إلى أن المخاطر الماثلة اليوم “تتجاوز الشرق الأوسط بكثير، وقد تؤدي إلى تفكك المنطقة والعالم؛ ففي الوقت الراهن، من غزة إلى إيران، تُلحق الفوضى التي أطلقتها إسرائيل والولايات المتحدة أضراراً جسيمة بالسكان، ويبدو أنها تُرسّخ سيادة القوة المطلقة، بينما تُظهر في الوقت نفسه عجز “القوى العظمى” عن إحداث تغيير جذري”.
لا بديل من حل القضية الفلسطينية
يعتقد عدد من المحللين أن إسرائيل لا يمكنها، مهما فعلت، التهرب من مواجهة استحقاق القضية الفلسطينية. فبحسب إيلي برنافي، المؤرخ والسفير الإسرائيلي السابق في فرنسا، فإن المشكلة التي تواجهها إسرائيل “ليست لبنان، ولا إيران، ولا حتى غزة، بل المشكلة هي الضفة الغربية، وهذه هي القضية الواضحة التي يتجاهلها الجميع”، ويضيف أن ما يحدث في الضفة الغربية “لا يزال هو نفسه، بل أسوأ، إذ إن هناك مذابح يومية، ولا يمكن أن يستمر هذا الوضع”، مقدّراً أن المسار الذي اختارته حكومة بنيامين نتنياهو “قد يؤدي إلى موجة عنف جديدة في الأراضي المحتلة، أو حتى إلى حرب أهلية”، وأن الحرب على إيران قد تستمر لفترة أطول، ثم “سننتقل إلى موضوع آخر”، ذلك أنه “علينا حل القضية الفلسطينية بحل الدولتين، باعتباره الحل الوحيد المتاح: إما أن نفعل ذلك، أو أننا سنصبح دولة ثنائية القومية بكل ما يترتب على ذلك – باختصار، دولة فصل عنصري”. أما “محو الفلسطينيين من التاريخ فهو أمرٌ لا معنى له، ذلك أن التاريخ واسع جداً، ولكلٍّ مكانه فيه”.
من جانبه، يرى العقيد الإسرائيلي المتقاعد شاؤول أرئيلي، أن بنيامين نتنياهو يُظهر، بسياساته الحالية، “افتقاراً للمسؤولية السياسية طويلة الأمد: فإيران تهديد خارجي، لكن القضية الفلسطينية هي ما يُحدد جوهر إسرائيل – الديمقراطية ضمن حدود معترف بها، أو نظام سيطرة مستمرة على شعب آخر”. ويضيف أنه “حتى لو تمكنت إسرائيل من القضاء على التهديد الإيراني، فسيتعين عليها أن تُفسر للعالم، وقبل كل شيء لنفسها، طبيعة النظام الذي تُقيمه بين البحر ونهر الأردن، ووضع الشعبين اللذين يعيشان تحت سيطرتها”، ليخلص إلى أن إيران “تمثل تهديداً يمكن السيطرة عليه”، أما الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فهو “واقع لا بد من حله، وأن من يستبدل مصطلح “الحل” بمصطلح آخر إنما يماطل في كسب الوقت بينما يعرض مستقبل البلاد للخطر”.
المصادر
Arieli, Shaul, « La guerre contre l’Iran comme mécanisme de diversion face à la question palestinienne », « La paix maintenant », 20 mars 2026.
Badie, Bertrand et Jean Paul Chagnollaud et Bertrand /Hourcade, « Le chaos provoqué par Israël et les États-Unis écrase les peuples », « La Croix », 16 mars 2026.
Benoit, Pierre, « Élie Barnavi : à la fin, il faudra revenir aux Palestiniens », « Libre Journal.fr », 8 mars 2026.
Bernas, Anne, « Bande de Gaza: la tragédie se poursuit, éclipsée par la guerre contre l’Iran », «RFI », 25 mars 2026.
Brossault, Juliette, « Israël a les mains libres : à Gaza, les conséquences incertaines de la guerre en Iran et au Moyen-Orient », « BFM », 10 mars 2026.
Iraqi, Amjad, « Chemins de traverse : de Gaza à l’Iran », « A l’encontre », 23 mars 2026.
« Israël est une puissance mondiale », « Jforum.fr », 10 décembre 2025.
Mraffko, Clothilde, « Israël serre les rangs pour « transformer le Moyen-Orient », dans un bain de sang », « Mediapart », 17 mars 2026.
Shaoul, Jean, « Netanyahou profite de la guerre contre l’Iran pour mettre en œuvre les plans de « Grand Israël » « World Socialist Web Site », 21 mars 2026.
ماهر الشريف – مؤسسة الدراسات الفلسطينية