شكّلت العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، التي انطلقت في أواخر فبراير/ شباط 2026 تحت مسمى “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، منعطفاً حاداً في خريطة الإنفاق الدفاعي العالمي. ففي الوقت الذي هزّت فيه الضربات الجوية المنشآت الإيرانية، كانت مؤشرات أسهم شركات الدفاع تسجّل قفزات غير مسبوقة في بورصة نيويورك، كاشفةً عن معادلة قديمة متجددة: كل صاروخ يُطلَق على هدف بعيد، يُترجَم فوراً إلى أرباح في ميزانيات الشركات المتعاقدة مع البنتاغون.
قفزة سوقية مذهلة: مليارات في يومٍ واحد
ارتفعت أسهم موردي الأسلحة الأمريكيين بشكل جماعي مع افتتاح التداول يوم الإثنين 2 مارس/آذار 2026، أي بعد يومين فقط من بدء الغارات. وأظهرت بيانات التداول أن القيمة السوقية لكبرى شركات السلاح قفزت بقيم تراوحت بين 5 و17 مليار دولار في جلسة واحدة. وتصدّرت شركة آر تي إكس (ريثيون سابقاً) المشهد بارتفاع بلغ 17 مليار دولار في قيمتها السوقية، في حين أضافت نورثروب غرومان نحو 5.8 مليارات دولار ولوكهيد مارتن نحو 5.5 مليارات دولار، وذلك وفق ما نقله تقرير عربي بوست.
ولم يكن هذا الارتفاع مفاجئاً للمحللين الذين رصدوا بوادره منذ أسابيع قبل اندلاع المواجهة. فقد أشار تحليل نشرته وكالة رويترز إلى أن مؤشر NYSE Arca الدفاعي كان قد سجّل ارتفاعات متتالية خلال فبراير 2026، مدفوعاً بتقارير عن حشد عسكري أمريكي متصاعد في المنطقة. وبلغت نسبة ارتفاع سهم لوكهيد مارتن منذ بداية العام نحو 40 بالمئة، فيما قفز سهم آر تي إكس بنسبة 6.6 بالمئة ليصل إلى 215 دولاراً، وسهم نورثروب غرومان بنسبة 6 بالمئة ليبلغ 768 دولاراً في جلسة واحدة.
بيد أن هذا الزخم الأوّلي سرعان ما اصطدم بديناميكيات السوق المعتادة. فقد تراجع مؤشر NYSE Arca الدفاعي بنحو 8 بالمئة خلال مارس، متفوقاً على تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي خسر 5 بالمئة فقط. ونقلت رويترز عن ديفيد بيانكو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة DWS الألمانية، تأكيده أن جزءاً كبيراً من علاوة الصراع كان مُسعَّراً مسبقاً في تقييمات أسهم الدفاع قبل بدء الحرب فعلياً.
“الخمسة الكبار”: ترسانة البنتاغون وعمود الربحية
يهيمن على قطاع الدفاع الأمريكي 5 شركات عملاقة تستحوذ على النصيب الأكبر من عقود وزارة الدفاع: لوكهيد مارتن (أكبر شركة دفاع في العالم)، وآر تي إكس (الرائدة في أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية)، وجنرال داينامكس (عملاق الصناعات البحرية)، وبوينغ (المقاتلات والمروحيات)، ونورثروب غرومان (القاذفات الاستراتيجية وتكنولوجيا الفضاء). وتُشكّل هذه الشركات مجتمعةً ما يُعرف في أوساط صناعة الدفاع بـ”الخمسة الكبار”.
وكشف تقرير شامل صادر عن معهد كوينسي، استناداً إلى بيانات البنتاغون الرسمية للفترة من 2020 إلى 2024، أن القطاع الخاص تلقّى عقوداً إجمالية بقيمة 2.4 تريليون دولار، تمثّل نحو 54 بالمئة من إجمالي الإنفاق التقديري للبنتاغون. واستحوذت الشركات الخمس الكبرى وحدها على 771 مليار دولار من هذه العقود، تصدّرتها لوكهيد مارتن بـ313 مليار دولار، تليها آر تي إكس بـ145 ملياراً، ثم جنرال داينامكس بـ116 ملياراً، وبوينغ بـ115 ملياراً، وأخيراً نورثروب غرومان بـ81 مليار دولار.
ماذا تبيع هذه الشركات للحرب على إيران؟
تُوظَّف في عملية “الغضب الملحمي” أكثر من عشرين منظومة سلاح مختلفة، وفق بيانات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم).
وتتصدر لوكهيد مارتن قائمة الموردين بمقاتلات إف-35 الشبحية التي تُشكّل العمود الفقري لعمليات اختراق المجال الجوي الإيراني، فضلاً عن منظومة ثاد لاعتراض الصواريخ الباليستية. وكانت الشركة قد وقّعت في يناير 2026 اتفاقية مع البنتاغون لمضاعفة إنتاج صواريخ ثاد الاعتراضية 4 مرات، من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً، بتكلفة تبلغ نحو 12.77 مليون دولار للصاروخ الواحد.
أما آر تي إكس فتُزوّد البحرية الأمريكية بصواريخ ستاندرد الاعتراضية ومنظومات باتريوت الدفاعية، وحصلت في أغسطس/ آب 2025 على عقد بقيمة 3.5 مليارات دولار لإنتاج صواريخ أمرام الجوية.
وتمدّ جنرال داينامكس الأسطول الأمريكي بمدمرات فئة آرلي بيرك التي تُطلق صواريخ توماهوك من بحر العرب.
وتُساهم بوينغ بمقاتلات إف-15 إي إكس وذخائر الهجوم المباشر المشترك (جي دام) ومروحيات أباتشي الهجومية.
في حين تتولى نورثروب غرومان تشغيل قاذفات بي-2 وبي-21 الشبحية الاستراتيجية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.
وأفادت الجزيرة في تقرير مفصّل بأن الولايات المتحدة نشرت في هذه العملية قاذفات بي-1 وبي-2 ومقاتلات إف-22 رابتور، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-18 غراولر وطائرات الاستطلاع بي-8 بوسيدون. كما أُطلقت صواريخ “الضربة الدقيقة” (PrSM) لأول مرة ضد أهداف إيرانية من منصات هيمارس، مما يعني أن ساحة المعركة تحولت إلى معرض حيّ لأحدث ما أنتجه المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
البيت الأبيض يضغط: “ضاعفوا الإنتاج أربع مرات”
استضاف البيت الأبيض في 6 من مارس/آذار 2026 اجتماعاً غير مسبوق ضمّ الرؤساء التنفيذيين لأكبر شركات المقاولات الدفاعية، بما فيها لوكهيد مارتن وآر تي إكس وبوينغ ونورثروب غرومان وبي إيه إي سيستمز وإل ثري هاريس وهانيويل إيروسبيس.
ونقلت رويترز عن 5 مصادر مطلعة أن الاجتماع ركّز على حثّ الشركات على تسريع الإنتاج بشكل جذري لتعويض المخزونات المستنزفة، في ظل استهلاك العمليات في إيران كميات هائلة من الذخائر والصواريخ.
ووصف الرئيس ترامب الأسلحة المطلوبة بأنها من “الفئة الرفيعة”، فيما وافقت الشركات على “مضاعفة الإنتاج أربع مرات”، وفق ما أوردته الجزيرة.
ولم يقتصر الضغط على التشجيع، بل لوّح البنتاغون بإجراءات عقابية تشمل إنهاء العقود مع الشركات ذات الأداء الضعيف التي تفشل في تقديم خطط تصحيحية خلال 15 يوماً. ويُشير هذا النهج إلى أن الحكومة الأمريكية تتعامل مع تعويض المخزونات باعتباره أولوية أمن قومي عاجلة، وهو ما يُترجم حكماً إلى عقود ضخمة جديدة لصالح هذه الشركات.
ما وراء إيران: دورة أرباح متعددة المصادر
لا تقتصر مصادر ربحية شركات الدفاع الأمريكية على العمليات ضد إيران. فقد استفادت هذه الشركات من عدة تدفقات مالية متزامنة خلال السنوات الأخيرة. وتجاوزت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل 18 مليار دولار في السنة الأولى بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما بلغ إجمالي المساعدات العسكرية لأوكرانيا 65 مليار دولار منذ الغزو الروسي عام 2022 وحتى 2025. كما وفّرت مبيعات الأسلحة الممولة من الحلفاء الأوروبيين إيرادات تتجاوز 170 مليار دولار في عامي 2023 و2024 وحدهما، بحسب بيانات معهد كوينسي.
ولم تكن شركات السلاح الأمريكية وحدها المستفيدة. فقد شهدت شركات الدفاع الأوروبية مثل بي إيه إي سيستمز البريطانية وساب السويدية وتاليس الفرنسية ارتفاعاً ملحوظاً في قيمتها السوقية، مدفوعةً بموجة إعادة التسلح الأوروبية التي تسارعت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتعمّقت مع اندلاع الصراع في إيران. غير أن قطاع الدفاع الأوروبي تلقّى ضربة في مارس/آذار بتراجع بلغ 11 بالمئة، في أكبر خسارة شهرية منذ الجائحة، وسط مخاوف من صدمة طاقة محتملة بسبب الحرب.
نظرة مستقبلية: هل تستمر الأرباح أم تتراجع؟
يتداول مؤشر قطاع الطيران والدفاع ضمن ستاندرد آند بورز 500 عند مضاعف ربحية يبلغ نحو 32 ضعفاً للأرباح المتوقعة لاثني عشر شهراً، وهو ما يفوق بكثير مضاعف المؤشر العام البالغ نحو 20 ضعفاً، وفق بيانات LSEG. وتشير هذه التقييمات المرتفعة إلى أن السوق قد سعّرت جزءاً كبيراً من توقعات الإنفاق الدفاعي المتزايد. وتراجعت توقعات نمو أرباح 2026 للشركات الدفاعية الكبرى من نحو 15 بالمئة مطلع العام إلى نحو 12 بالمئة بنهاية مارس.
غير أن المحللين يُجمعون على أن أي مكاسب إيرادية فعلية ستحتاج وقتاً للتحقق، نظراً لطول دورات الإنتاج والقيود على الطاقة الإنتاجية.
ونقلت رويترز عن سمير سمنا، رئيس الأسهم العالمية في ويلز فارغو، قوله إن تقديرات الأرباح لن ترتفع بشكل جوهري ما لم يمتد الصراع لفترة أطول أو يتوسع بشكل ملموس.
خلاصة واستشراف
تكشف المعطيات المتوفرة عن حقيقة هيكلية في الاقتصاد السياسي الأمريكي: كل تصعيد عسكري يُغذّي دورة ربحية مغلقة تبدأ من قرار سياسي في البيت الأبيض، وتمر عبر عقود البنتاغون، لتنتهي في ميزانيات شركات “الخمسة الكبار” وأسهمها المتداولة في وول ستريت. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتقاطع خطوط النار مع ممرات التجارة العالمية، تتحوّل كل جولة تصعيد إلى فرصة استثمارية لصناعة الدفاع، في حين يدفع المدنيون والاقتصادات الإقليمية الثمن الأفدح.
ويبقى السؤال المحوري لصنّاع القرار في المنطقة: في ظل هذه المعادلة التي تجعل من الحرب مشروعاً ربحياً بامتياز، هل تملك آليات الدبلوماسية والضغط الدولي القدرة الكافية على كبح جماح آلة الحرب عندما تتحول المليارات من حافز اقتصادي لإنهاء الصراع إلى حافز لإطالته؟
الدفاع العربي